السبت، ١٠ آذار ٢٠١٢

نموذج الردة - ربى عطية


نموذج الردة
١٠ آذار ٢٠١٢

ابراهيم باشا الوزير الأول للسلطان سليمان القانوني، يخرج على المشاهدين من على شاشة دبي ليلقي خطبة عصماء عن أخلاقيات الجيش الإنكشاري الذي لا يكذب ولا يسرق ولا يطيل اللسان، إنما يتململ كلما توقفت "الفتوحات".
طبعا، يتلازم هذا "التململ" مع مشهد توزع فيه الأعطيات من مال الدولة العلية على الانكشاريين.
هذه مشاهد في مسلسل تركي، إسمه يدل على قبح النظام الإجتماعي الذي يحاولون إعادة تلميعه: "حريم السلطان". يدور المسلسل في كواليس الحريم المقتلعات من بلادهن المستعبدات في الحروب والمباعات في أسواق النخاسة، ليصبحن حريم القصر ومدبرات مكائده، هن والخصيان المساكين الذين لا يأتمنهم السلطان قبل أن يخصيهم!
لا يأتمنهم حتى على نساء لم ينظر مرة إلى وجوههن ممن رمين في الحريم ولم يكن لهن حظ الإرسال إلي خلوة السلطان، دون أن ننسى أن أولئك الحريم يجبرن على الإسلام وتغير أسماؤهن كي يحل للسلطان “الاختلاء” بهن.

كل هذا يدور في قصور جميلة وثياب مزركشة وبين أرائك ملونة رخيمة، تغازل جميعها المزاج الاستهلاكي النفطي، كما تدور الأحداث على وقع قصائد حب يكتبها سليمان لحبيبته الجارية روكسلانا، بينما تمر أوامر تقطيع الرؤوس في المسلسل مرور الكرام و كأنها حكمة علوية للسلطان سليمان..
هكذا، يعاد تلميع الدولة العثمانية للمشاهدين الحالمين بالربيع العربي..
هكذا تدخل ربة المنزل غير المهتمة بنشرة الأخبار تحت عباءة الإسلام السياسي بنسخته التركية - الإخوانية.

طبعا تختار لتلك الغاية شخصية مثل سليمان القانوني الذي أجرى إصلاحات مهمة على القانون العثماني، بقدر ما سمحت له الشريعة الملزمة للقانون. فقد سمح قانونه الجديد بتحسين الوضع الضريبي للمزارعين المسيحيين المقتطعين مع أرضهم لأصحاب الرتب في الجيش والدولة العثمانية، كما قلل من الحالات التي يعاقب فيها بالإعدام وقطع اليد، وخفض الضرائب على الاستيراد والتصدير، وحمى اليهود ومنع القدح والذم بحقهم بما يخص “عجين الدم”.
ويزيد في تلميع صورة الخلافة العثمانية للمشاهد المعاصر أن بطل المسلسل سليمان حرر جاريته التي أحبها وتزوجها جاعلا إياها زوجة مقربة وحيدة بعد أن أبعد زوجته الأولى مبكرا، ليبقي روكسلانا (خرم سلطان) إلى جانبه حتى مماته كاسرا تقاليد القصر العثماني ومقدما نموذجا مدحه المؤرخون الأوروربيون. لكن كل هذا طبعا جرى بأمر وهوى السلطان، لا بحقها الإنساني، وهي في المسلسل كما في التاريخ منتقدة كونها راكمت قوة تفوق "حقها" كامرأة.
كما أن السلطان المصلح طبعا لم يخرج عن نظام الملل ولا عن نظام الحريم ولا عن "محاربة الكفار" وفتح ديارهم ولا عن قطع رأس من يشك في أمره حتى ابنه البكر.

تفكير لا يخرج طبعا عن أي ذهنية امبراطورية توسعية، ولا يضير سليمان الذي ورث نظاما وحاول إصلاحه.
وإذا كان اتخاذ الدين أو الأيديولوجيا حجة للتوسع مدانا، فهو أيضا حال كل الإمبراطوريات التي تتوسع مرة باسم الشيوعية ومرة باسم الديمقراطية.. إلخ.
لكن المستهجن هو حال بعض الشعوب التي كانت محتلة ومنتهكة وتعود اليوم لتمارس حنينا إلى تلك الأيام، وهو ما لا يفهم إلا في إطار الردة الدينية والمذهبية تحديدا. فسليمان هذا، هو الذي حارب الصفويين وأخرجهم من العراق والخليج، جاعلا الخليج العربي والبحر المتوسط بحيرتين عثمانيتين. ولا فضل عند المشاهد المتمذهب لاحتلال تركي على فارسي إلا بالمذهب.

عامل آخر يجعل من النظام "الحريمي" المعروض في المسلسل مقبولا في بعض المجتمعات العربية أكثر من بعضها، هو عدم ابتعاد هذه المجتمعات عن نظام الحريم كثيرا خصوصا لدى أولي الأمر. بل وإننا بتنا نسمع بالتزامن مع موجة الربيع المجهض دعوات إلى ردة اجتماعية من بلاد عريقة في المساواة الاجتماعية، آخرها دعوة "حزب الانفتاح والوفاء" التونسي لإعادة نظام الجواري قانونا إلى تونس.

مسلسل إسمه "حريم السلطان" تعلن دعايته على لسان سليمان القانوني أنه سيجعل البحر المتوسط بحيرة عثمانية.. ولا يشتم أحد رائحة تبعية بالسياسة، ولا عبودية بالمجتمع.. 

ربى عطية

الخميس، ٢٣ شباط ٢٠١٢

حزن اشتون على مصر- د. حياة الحويك عطية

د. حياة الحويك عطية
23-2-2012
حزينة!! مسكينة السيدة اشتون, وربما كان على المصريين ان يقدموا لها مناديل من الدانتيلا لتجفيف دموعها. اي استخفاف بعقول الناس ? واي ناس يبرهنون كل يوم على ما يقوله عنا الغرب من اننا شعوب عاطفية, لا عقلانية, ولذلك فان اللعب على العواطف والمكبوتات والتمنيات هو اسهل طريق يسلكها الغرب الذي بنى نهضته على العقلانية النقدية البعيدة عن العواطف, خاصة في الامور العامة.

المفوضة العليا للاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون المعروفة بمواقفها المعادية للتيارات القومية العربية, تذكرت فجاة جمال عبد الناصر, ووجدت فيه مدخلا ولا افضل لاجتذاب القطاع الاكبر من المصريين والعرب عموما, ولم تخش السيدة ان يتذكر العرب ( الذين يحنون لايام ناصر ) ان من شن الحرب على مصر الناصرية عام 1956 لم يكن الولايات المتحدة, بل فرنسا وبريطانيا. فجأة وجدنا "أوروبا كلها تحترم عبد الناصر لأنه كان خصما شريفا تولى رئاسة مصر فى أحلك ساعات التاريخ المصري ولو عاش عبدالناصر لكانت مصر دولة عظمى أكبر من روسيا فى الشرق الأوسط " . على حد قول السيدة اشتون.

غير ان الغرائبية لا تكمن في تقدير عبد الناصر بقدر ما كانت في الانتقادات الموجهة الى نظام حسني مبارك الذي طالما اعتبره الغرب الاوروبي والاميركي الحليف الاول في المنطقة العربية ولا ننسى ان ساركوزي اختاره لمشاركته رئاسة الاتحاد المتوسطي, كما لا ننسى الاستقبال النابوليوني الذي كان يلقاه كلما زار اوروبا. بل ان مركز اليونسكو في باريس كان ينصح كل من اراد منحة بحثية عن العالم العربي بالدخول عبر بوابتين احداهما السيدة سوزان مبارك, لانها تمول برنامجا بحثيا ومنحا.

كيف تحول الحليف الى مدان يجعل السيدة اشتون تقول "أنا حزينة على مصر وشعبكم فلقد تعرضتم في مصر لما هو يفوق الخيال في الاحتيال والسرقات وتجريف الثروات المادية والطبيعية والافتراضية لو صح التعبير حتى أن -الفايكنج- وهم أشرس الغزاة الذين شهدهم التاريخ البشرى في أوروبا ما كانوا سيتمكنون من سرقة مواردكم مثلما فعل بكم نظام مبارك"

لانه وببساطة لم يعد نظاما حاكما, ولان الرئيس الكبير ( كما كان يلقبه الاوروبيون ) اصبح يدخل قاعة المحكمة على سرير وولداه بملابس السجن البيضاء. ولان مجلس الشعب المصري اصبح يتشكل من غالبية اسلامية تليها قوى قومية وليبرالية. وبما ان الاسلاميين في تحالف مع الولايات المتحدة, فان على اوروبا ان تجتذب القوى الاخرى, وهل افضل من ذكرى عبد الناصر وترا يعزف عليه لتحقيق ذلك? لذلك حرصت السيدة على ترداد اسمه مرات خلال تصريحها وذاك ما لا تحتاجه الصياغة.

صحيح ان لدى مصر " ثروات تكفي لمساعدة ربع الدول الأوروبية إذا استغلت تلك الثروات بشكل جيد"- كما قالت اشتون - ولكن الثروة الكبرى التي اجتذبت اوروبا منذ غزوة نابوليون حتى غزوة ال,56 هي ثروة الموقع والديموغرافيا والجغرافيا, التي تجعل من مصر, الدولة العربية الاولى والدولة الافريقية الاولى, وسيدة وادي النيل, مما يفسر حرص اوروبا على الحصول على موطىء قدم فيها ايا يكن الثمن. وهذا ما يفسر الجواب علي السؤال : اذا كانت " لدى الاتحاد الاوروبي معلومات وارقام مؤكدة كما تقول اشتون. تقول بان ما تمت سرقته وإهداره من أموال وأرصدة وثروات مصر الطبيعية خلال الـ 15 عاما الماضية من نظام مبارك, يبلغ 5 تريليون دولار أمريكي" فلماذا كانت اوروبا تحالفه وتغدق له الثناء والدعم ? واذا كان ذلك المبلغ " يكفى تحويل مصر إلى دولة أوروبية متقدمة", كما تقول اشتون ايضا, فهل هذا ما يريده الغرب? وهل كان العدوان الثلاثي ودعم حرب الـ 67 ودعم كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادي, الا سلسلة من المعارك في حرب منع مصر من ان تصبح دولة متقدمة ? وبالتالي ما هي " الخطوات الفعالة...ذات الطابع التنفيذي " التي قالت ان اروربا تريدها من مجلس الشعب الجديد ? وهل لاجل تلك الخطوات اطلقت المفوضة الاغراء بفتح باب اوروبا امام الشباب المصري والواردات المصرية ? واي اغراء هذا اللهم الا الاستنزاف الشبابي والسوق التجاري بين قوتين غير متكافئتين في الانتاج.

أما المفارقة الكبرى فهي ان الجملة التي اشترطت الديمقراطية ربطتها بالقول كما كانت مصر امام عبد الناصر. فمتى اعتبر العالم, وتحديدا اوروبا عبد الناصر ديمقراطيا ?

اي استخفاف بالعقول! اي لعب على العواطف! واي تقاسم بين القوى الغربية لقوانا الشعبية! .

الثلاثاء، ٢١ شباط ٢٠١٢

سورية المشهد.. الواقع ومرتفعات الاخلاق - د.مكرم خوري مخول

 20- 1- 2012
عن القدس اللندنية
غير عادته وقبل القاء التحية سألني طالب دكتوراة اوروبي قبل بضعة ايام وبارتباك شديد بدا على اسارير وجنتيه :'ما الذي يحصل في سورية'؟ فسألته: اية وسائل اعلام تقرأ وتشاهد؟ قال متسائلا :'لا اعرف تصديق من فيهم'. فذكرته ان قبل خمسة شهور من اندلاع الحرب العالمية الثانية وفي خطاب له يوم 19 نيسان 1939 تطرق وزير الخارجية البريطاني (1938-1940) اللورد ادوارد وود-هاليفاكس (1881ـ 1959) وهو من اهم السياسيين الذين عرفهم حزب المحافظين البريطاني في النصف الاول من القرن العشرين، الى موضوع الدعايةالبروباغندا ودورها في قرع طبول الحرب بهدف الترويج لبعض الادعاءات او الاكاذيب التي من شأنها التغطية عن الاسباب الحقيقية التي تقف وراء الحروب والنزاعات قاصدا المانيا بقيادة ادولف هتلر ووزير اعلامه د. جوزيف غوبلز، حيث قال:
'ان اختراع نظريات جديدة لتبرير سياسات التوسع وطرح ادعاءات عرقية وما شابه لا تصنع الا لغرض التغطية ولتبرير استخدام القوة حيث يتم دوما حجب الحقيقة وطلاءها بالسواد بواسطة الدعاية-البروباغندا العنيفة'. واضفت قائلا للطالب ان تعريف هاليفاكس ورد قبل ان يصرح احد اهم رواد المسرح العبثي (مسرح الابسورد) الفيلسوف والكاتب الروائي الروماني-الفرنسي يوجين يونيسكو (1909-1994) بان هدف البروباغندا بالاساس هو هدم وعي وادعاءات الطرف الآخر. فسوف لا نبتعد كثيرا اذا ما شبهنا ما يجري في عالم السياسة الدولية بتركيبة العمل المسرحي. فنهاك المشهد الذي يراه الجمهور على المنصة الخارجية وهناك كل ما يجري خلف الكواليس. ففي السياسة (وشعبتها الخارجية) - العلاقات الدولية - وفي كل نزاع محلي او اقليمي او عالمي هناك من تلقى عليه مهمة ادارة الازمة وآخر، ادارة 'مشهد الازمة' ومن يكتب السيناريو(هات) ومعه يدرج تقسيم الادوار (الرئيسية والثانوية والامامية والخلفية) الذي يقرره عادة المخرج لكي يقع الاختيار على اكثر الممثلين القادرين على اتقان الدور لكي ينفر في النهاية (التراجيدية لنقل) دم المقتول وتذرف دموع الجمهور . 'اعرف ان القتلى من كل الاطراف هم سوريون، ولكن من المستفيد في الشأن السوري'، اردف الطالب. عندها نصحته بالبحث عن الاجابة بشكل مستقل على امل الاستمرار في الحوار بمناسبة اخرى. افترقنا وكان املي، الغير معلن له على الاقل، الا يأتني بتحليل يعالج مواقف من يساهم بادارة السياسة الخارجية للدول وبالتحديد ملف الازمة السورية بل ان يأتي بتحليل عن موقف الجمهور وتلقيه كل هذا الكم المستفيض من الرسائل الاعلامية ومدى وكيفية تأثره او عدمه من الخطاب السياسي المعلن لهذا الطرف او ذاك عبر بياناته المنتشرة في الفضاء العمومي. فقد عكس ارتباك هذا الطالب حيرته كعضو في شريحة من الجمهور (الضلع الاول) وليس بارتباطه بذلك السياسي (الضلع الثاني) الذي يحاول صناعة القرار او ضحايا القرار (الضلع الثالث لمثلث الصراع) بشكل مباشر او غير مباشر .
'الضلع الثالث الذي يتشكل من اولائك الضحايا الذين يتواجدون في بؤرة الصراع على الارض في كلا الطرفين هم وحدهم من يملك (كل منهما على حدى) اجزاء مختلفة من مكونات واقع الاحداث الجارية وذلك قبل تآطير الواقع وادلجته ونقله مباشرة او مسجلا او محرراً بامانة او تلاعب الى الرأي العام ليصبح مشهدا في مقدوره او عدمه المساهمة في تشكيل الرأي العام. كما ان الجناح الاعلامي (مهنيا كان ام هاويا) الاسرع والاكثر مهارة وصاحب العلاقة والادوات لتوصيل ما يؤطره (بغض النظر اذا ما كان يعكس الواقع بشموليته) لعناصر خارجية تملك وسائل الاعلام وتستفيد مادياً من المشاهد الواردة، هو الذي قد يكسب شوط المعركة (وليس بالضرورة كل الاشواط ) الاعلامية المنقولة بشكل صادق او اقل من ذلك. فالرسائل المنقولة اعلاميا قد تؤثر او لا تؤثر على هذا المشاهد او ذاك. احد المشاهد الذي تم اختيارها في المسرحية الاعلامية التي تستهدف نقل الواقع كما تراه وتريده وسائل الاعلام هو ان يلتصق في ذهن المشاهدين عن مجريات الاوضاع في سورية مشهداً استطاع ولو بشكل جزئي ان يخلق في عقول (ولاسباب تعود الى معدل المهنية الاعلامية او سياسة التحرير) شريحة من الناس صراعا نفسياً داخلياً خلاصته: 'انا مع سورية العروبة والمقاومة وضد تقسيمها وتدميرها، ولكن يؤلمني مشاهدة القتل الجاري في بعض المناطق السورية'. هذه الجملة تسلط الضوء على النظم القيمية للفرد وعواطف اخلاقه والا لما كان ليصدر هذا الحكم المركب. فاطلاق الاحكام ينقسم الى نوعين: السخط والاستنكار او الموافقة والاستحسان لممارسات احد الاطراف او جميع الفرقاء. واحياناً يتحول موقف فرد معين من الجمهور من موقف مستحسن يوم امس الى مستنكر اليوم لأعمال طرف في النزاع وذلك بعد ان قام هذا الطرف بفقدان اخلاقياته نتيجة لتبنيه اعمال ثآر عنيفة تجعله يصنف في ذات الفئة التي تم تصنيف الطرف الذي بادر لإستعمال العنف بداية فيها، مما افقد (في نظر شرائح من الجمهور) الطرف المستقبل للعنف بداية، تفوقه الاخلاقي. فاذا افترضنا (وقد اخترت هذه الكلمة لأنني كمحاضر جامعي وباحث اكاديمي ليس لدي دلائل مادية قاطعة مدقق بها لأحكم بشكل موزون وقاطع) ان فرداًافراداً من احد اجنحة الامن السوري قد بادر في مارس 2011 الماضي الى استعمال طاقة العنف الجسدي المدعوم باسلحة وأدى الى اراقة دماء او حتى التسبب بالعذاب للآخرين، فان تطور رد الفعل من قبل بعض الاطراف (اكرر انه من الصعب معرفة عدد وتبعية الفئات المناوئة والعاملة ضد الحكم في سورية) قد اخذ منحىً تبنى فيه هو الاخر استعمال العنف حيث تم نقله كمشهد مضاد. فاذا كانت النظم القيمية الاخلاقية لبعض الشرائح المجتمعية لاولئك الذين يستنكرون اراقة الدماء من قبل عنف مدعوم من الحكومة السورية، فكيف يمكن ان يقبل الفرد ذاته بمشهد يصور اراقة دماء سوريين اخرين على ايدي اطراف مدعومة بالمال والعتاد من قبل جهات عربية او غربية، دون سخط او استنكار؟. فان اصدار الحكم من قبل الافراد او شرائح من الجمهور عما تقوم به الاطراف في سورية، واطلاق مصطلحات عامة ورائجة مثل 'موافق وصحيح' او 'غير موافق وخطاء' لا يحمل معنى الا اذا ارتبط المشهد بمبدأ 'المنفعة' لأحد الاطراف. ولذلك فالفرد (سورياً كان ام عربياً ام آخر) الذي لا مصلحة مالية له في النزاع ولم يتأثر بشكل مباشر او غير مباشر على الارض مما يجري في سورية ويتبنى بشكل بديهي حزمة من النظم القيمية الاخلاقية التي تقف ضد العنف على كل انواعه والتي تفرز اخلاقاً عاطفية غاضبة ضد اعمال القتل من اي طرف، ليس من الاخلاقي ان يستنكر ما تقوم به الحكومة السورية ويغض الطرف ولا يستنكر ما تقوم به الاطراف الاخرى المدعومة سياسيا وماليا وعسكريا من اطراف خارجية والتي تسبب وتوسع رقعة الآلم والخسائر في الارواح. ذلك لأنه سيختل توازن الموقف الاخلاقي اذا تم تطبيقه بشكل منقوص: فكري ومبدئي في حالة معينة وفكري ومبدئي مقرون بالممارسة والنتائج في حالة اخرى، لأن هذا سيظهر ما يسمى بازدواجية المواقف والمعايير وقد يزيد من حجم الازمة النفسية لذلك المشاهد حيث سيجعله يبحث عن مبررات ويعيش في صراع نفسي كالذي يظهر على خشبة المسرح او الشاشة .
ان تتلقى فئات (من الجمهور) تشاهد وتستمع وتقرأ رسائل مؤيدة او معارضة من او عبر وسائل الاعلام لهذه الطرف او ذاك، وتتبنى المشهد المنقول دون مساءلة او مراجعة او تحقيق والتظاهر بأن احكامها موضوعية غير منحازة فهذا لا يعني بالضرورة ان هذه المواقف 'الموضوعية' هي الصواب. فمن يراقب ويسجل مستعملاً مناهج البحث العلمي (الكمي والنوعي) يصل الى نتيجة تستدعي ما سآله الطالب المذكور اعلاه: 'لا اعرف تصديق من فيهم'. فالمسآلة هي ليست فقط 'من يصدق'، بل ان المسآلة تعود هنا فيما اذا كانت نظمك الاخلاقية، انت كمستهلك للمادة الاعلامية، مع استعمال العنف وتبرير اراقة الدماء بشكل من الاشكال ام لا، وذلك قبل ان تعرف الحقيقة من التلاعب في رواية هذا الطرف او ذاك؟
لان وجود الاراء المختلفة بما يتعلق بالصواب والخطأ، هو ما يسلط الضوء على الفرق العاطفي بين البشر والحيوانات، ويتيح للآراء ان تكون عرضة للتغير عبر حيازة كم اكبر من المعلومات ومن اكثر من مصدر واحد والقيام بالمقارنة فيما بينها. هذه هي العملية التي من شأنها ان ترتقي بنا كجمهور مشاهدين الى درجة اعلى من الفهم وتقييم النزاعات السياسية الدموية حتى لا تتحقق الخدعة الدعائية بسهولة نسبية ولكي لا تتم عملية حجب الحقيقة وطلاءها بالبروباغندا السوداء التي ذكرها هاليفاكس.

' اكاديمي جامعة كيمبريدج- بريطانيا

الاثنين، ٢٠ شباط ٢٠١٢

حول الموقف من الإسلام السياسي بعد الربيع العربي الأمريكي - د.ابراهيم علوش

بوصلتنا:  تحليل موقف دوري للحدث السياسي

د. إبراهيم علوش

تناقلت وسائل الإعلام في 12/2/2012 تصريحات لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، نقلاً عن تسجيل مصور، دعا فيها: أ – للعمل المسلح ضد النظام السوري، ب – لانتقال المسلحين من الدول المجاورة لسوريا للمشاركة بمثل ذلك العمل المسلح. 

وقد جاءت تلك التصريحات بعد يومٍ من تقارير صحفية دولية نقلت عن مصادر أمنية أمريكية قولها أن تفجيرات دمشق وحلب كانت من فعل تنظيم القاعدة، ونقلت عن مسؤولين عراقيين أن مسلحين "جهاديين" تسللوا من العراق إلى سوريا وأن تهريب السلاح إلى سوريا عبر العراق يشهد انتعاشاً كبيراً.

وتأتي هذه الأقوال والأفعال المتعلقة بسوريا بعد مشاركة عناصر محسوبة على "القاعدة" في ليبيا مع حلف الناتو هناك.  ولا بد أن نشير في نفس السياق لافتتاح مكتب سياسي لطالبان في قطر وما يشاع عن الحوار الجاري بين تلك الحركة والولايات المتحدة، كما نشير لانقلاب خريطة التحالفات في أفغانستان وتوجه منظمة شنغهاي للتعاون (أي الصين وروسيا) لاحتضان كرزاي، ومد إيران، على هذا الأساس، لخيوطها باتجاهه.  ونشير لتزايد التوترات داخل باكستان بين الجهاز الأمني الراعي لطالبان وبين القيادة السياسية ممثلة بالرئيس زرداري وحزب الشعب الباكستاني، كما نشير للقمة الإقليمية التي عقدت في باكستان في 18/2/2012 بين زرداري وكرزاي وأحمدي نجاد، وهو ما يمثل نوعاً من الابتعاد عن الولايات المتحدة، خاصة في ضوء تأكيد باكستان على تمديد خط الغاز الإيراني في الوقت الذي تحاول فيه الإمبريالية تشديد الحصار على إيران. 

الفكرة هي أن تصريحات الظواهري الأخيرة، ومشاركة أنصار القاعدة وتلامذتها في عدوان الناتو المباشر وغير المباشر على ليبيا وسوريا، ومجمل التطورات الإقليمية، كلها تدل بأن تلك الحركة وامتداداتها تكاد تكمل دورة كاملة حول نفسها لتعود بسخونة للحبيب الأول من مرحلة الحرب الباردة، عندما كانت مجرد امتداد للمشروع الأمريكي في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، وها هي توظَف اليوم كجزء من الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة الصعود الروسي-الصيني واحتوائه بطوقٍ إخواني-سلفي-"جهادي" لم يعد تحالفه الميداني والسياسي مع الناتو يخفى على أي مراقب موضوعي.

ونقول: تكاد تكمل دورة كاملة حول نفسها، ولم تكمل تلك الدورة تماماً بعد، لأن ثمة نقاط مثل اليمن والصومال لا تزال تعيق اكتمالها، لأنها نقاط لا تزال تعمل بتأثير قوانين المرحلة السابقة، مرحلة "صراع الحضارات" و"الحرب على الإرهاب".  لكن ذلك ليس إلا الاتجاه الهابط، أما الاتجاه الصاعد الذي يزداد اتضاحه إلى حد حسم الشك باليقين يومياً، فهو ذاك الذي برز في ليبيا، ممثلاً بعبد الحكيم بلحاج مثلاً، وهو الاتجاه الذي يبرز الآن من خلال تصريحات الظواهري حول سوريا وتسرب "الجهاديين"، خاصة من غير السوريين، للمساهمة بحسم معركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ل"تغيير النظام" في سوريا.

ويبرز ذلك الاتجاه الصاعد أيضاً بتحول طائرات البنتاغون بلا طيار للتجسس على سوريا، بعيداً عن الميادين التقليدية لما سمي يوماً "الحرب على الإرهاب"، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية في 18/2/2012 عن قناة تلفزيونية أمريكية قالت أن عدداً معتبراً من تلك الطائرات باتت تطير الآن فوق سوريا لرصد الحالة هناك.  ويشار أن تلك الطائرات قادرة على القيام بعمليات اغتيال وقصف صاروخي، وقادرة على تعطيل شبكات الاتصالات والمعدات الالكترونية والكهربائية، وعلى تسهيل الاتصال مع العملاء على الأرض، وليس على التصوير فحسب، وبالتالي فإن نشر تلك الطائرات، بكميات معتبرة، في سماء سوريا، يؤشر رسمياً على بدء مرحلة التدخل العسكري الغربي المباشر، بغض النظر عن تطمينات راسموسن لروسيا والصين بأن الناتو لا ينوي التدخل المباشر في سوريا.  ونضيف إلى ذلك تقرير موقع السي أن أن في 7/2/2012 بأن البنتاغون يعد خططاً للتدخل العسكري في سوريا لتكون جاهزة في حالة تغير التوجه السياسي.

وقد جاء تدمير جرذان الناتو ومجلس التعاون الخليجي لنصب القائد القومي العربي خالد الذكر جمال عبد الناصر في بنغازي في 11/2/2012 بالجرافات والمطارق ليؤكد من خلال رمزية الحدث أن ما يسمى ب"الربيع العربي" هو (أو قد تحول إلى - كما يرغب القارئ الكريم، لأن النتيجة واحدة) مشروع انقلاب على كل رموز وعناوين مرحلة المد القومي التحرري في الوطن العربي في الخمسينات والستينات.  وبهذا المعنى، فإن ذلك "الربيع" يكون قد بدأ رسمياً في العراق عام 2003، ويكون تحالف الإخوان المسلمين، من خلال الحزب الإسلامي العراقي، مع الولايات المتحدة وحلف الناتو قد تم تجديده هناك، بين طارق الهاشمي وبول بريمر، دون أن يعفي ذلك الأحزاب الكردية والإيرانية في العراق من عقد التحالف نفسه وقتها وأكثر، سوى أن الحليف الأبرز اليوم بات الإخوان والسلفيين والجهاديين، إلا من رحم ربي.

ومن هنا لا بد لنا اليوم كقوميين جذريين أن نراجع موقفنا السابق من السلفية الجهادية التي أيدناها علناً عندما كانت تقارع الإمبريالية الأمريكية وحلفاءها (على ذلك الصعيد فحسب، وليس في كل مواقفها أو في برنامجها الثقافي والاجتماعي طبعاً).  وكان موقفنا وقتها ينبني على كونها أصبحت في فترة "الحرب على الإرهاب" ممثلة للقطيعة الجذرية مع الإمبريالية وامتداداتها سياسياً وثقافياً، ومع الأمر الواقع العربي، وأنها كانت تمثل بالتالي ردة فعل عمياء، تخلو من الوعي السياسي، ولكن لا تخلو من الحس العفوي السليم، على رثاثة الواقع العربي بكل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.  فلقد كانت تتصرف أحياناً كالثور الهائج في متجر للزجاجيات، لكنه كان ثوراً مخيفاً ورادعاً لأعداء الأمة أحياناً، وكانت دوافع هياجه وثورته مشروعة... ولو كان مفتقداً تماماً للعقل السياسي أو حتى التنظيمي.

أما الآن، فقد اختلف الاصطفاف، وبات من الضروري أن نشير أن كثيراً من فصائل الإسلام السياسي، ولا نقول كلها، قد عادت إلى موقع التحالف مع الإمبريالية بعد عشرين عاماً ونيف من انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبحت خلالها موضوعياً إحدى حوامل النقمة الشعبية العربية بصفتها قوة عمل عسكرية/ سياسية/ أيديولوجية فائضة مسرحة من خدمة الإمبريالية، تماماً كجيشٍ رفض تقبل أوامر حله، فتحول إلى قوة مناهضة لأسياده السابقين، وبالتالي إلى قوة مقاومة موضوعياً، إلى حين... كما اتضح من الصورة الآن.

وكانت الإمبريالية قد حاولت فرض النهج الليبرالي والتغريب بديلاً في بلادنا على مدى ذينك العقدين، ففشلت مع عامة الناس، ونجحت مع النخب السياسية والثقافية إلى حدٍ ما، حتى بات هنالك ليبراليون يزعمون أنهم قوميون أو ماركسيون أو إسلاميون (يمكن أن تكشفهم بسرعة من كثرة حديثهم عن الديموقراطية بدلاً من التناقض الرئيسي مع الإمبريالية والصهيونية ومشروع الوحدة والتحرير والنهضة).  لكن كل جهود الإمبريالية لتعميم النهج الليبرالي النافي لأي وعي وانتماء قومي ووطني، وكل جهود منظمات التمويل الأجنبي، وبرامج التدريب والتمويل، على ذلك الصعيد، لم تنجح بإنتاج انقلاب مجتمعي حقيقي بهذا الاتجاه، إلا عند شريحة من الشباب تبقى، ولو بلغ تعدادها عشرات الآلاف، أقلية بلا جذور أو إرث حقيقي في مجتمعنا العربي. 

على هذه الأرضية، يجب أن ننظر للحملة التي يديرها المجلس العسكري في مصر ضد منظمات التمويل الأجنبي الغربية (لأن الحملة لا تتطرق للتمويل الخليجي الموجه لبعض الإسلاميين في مصر) باعتبارها صراعاً على غنائم "الربيع العربي" بين زلم الأمريكان الليبراليين من جهة، وحلفاء الأمريكان الإسلاميين من جهة أخرى.  وهو صراع لا يعنينا كثيراً كقوميين جذريين لأنه لا ينطلق من طرح التناقضات الأساسية الداخلية والخارجية، ولا ينطلق من المصلحة العليا للأمة العربية في تحقيق مشروع الوحدة والتحرير والنهضة.

وقد أصبح من الواضح أن أساس الصفقة بين  من زعموا أنهم إسلاميون، من جهة، والإمبريالية، من جهة أخرى، هو تسليم زاعمي الإسلام للإمبريالية بالسياسة والاقتصاد (التبعية للخارج والمعاهدات الدولية ومع الكيان الصهيوني والسماح للشركات الدولية بأن ترتع في بلادنا كما تشاء، بغض النظر عن الذرائع)، مقابل تسليم الإمبريالية لهم بهندسة المجتمع ثقافياً كما يرغبون، وهو ما لن تسلم به الإمبريالية إلا ضمن قواعد لعبة "ديموقراطية" ملغومة، تتيح لها اختراقها من الداخل على المدى البعيد.  ومن هنا فإن انقضاض المجلس العسكري في مصر على التمويل الغربي بالتحديد، والمنظمات التي تدير لعبته، ليس إلا محاولة لقطع دابر تلك الإستراتيجية الثقافية-الاجتماعية التي تفعل فعلها ببطء ولكن بثبات.  لكن العنوان الحقيقي لتلك المعركة ليس السيادة، بل الصراع على السلطة بين حلفاء الأمس القريب.

ويمكن أن نضيف للصراع على السلطة بين حلفاء الأمس القريب ما يجري في العراق بين نوري المالكي وطارق الهاشمي، والعنوان المشترك هو دوماً محاربة القومية العربية وأي توجه قومي عروبي.  وعلى الرغم من اصطفاف المالكي خارج المعسكر المناوئ لسوريا حالياً بفعل تأثير إيران، فإن ذلك ليس إلا اعتباراً عابراً مؤقتاً يمكن أن ينقلب إلى ضده بسرعة في ظروفٍ سياسية مختلفة.  وندرك حاجة سوريا التكتيكية للمالكي في خضم هذه المعركة المصيرية لكل العرب والعالم على أرض الشام، لذلك لن نزيد، سوى أن التجييش الطائفي في العراق بين السنة والشيعة يضر بسوريا ومعركتها ولا يفيدهما، وكل من يسهم بإشعال مثل ذلك التجييش الطائفي في العراق يسهم بشق المجتمع السوري (واللبناني... والخليجي)، ولهذا لا بد من العودة للتذكير بالعروبة قاسماً مشتركاً بين السنة والشيعة والمسلمين والمسيحيين في أرض العرب.  فهذه باتت ضرورة موضوعية، لا مجرد شعار جميل، كما راحت تظهر الأحداث في كل مفصل.    


الأحد، ١٢ شباط ٢٠١٢

ديمقراطيات اسلامية بوصاية امريكية- موفق محادين

موفق محادين
2012-02-13

العنوان ليس من عندي بل كان عنوانا في ملحق اليوم السابع الذي كانت تصدره جريدة "العرب اليوم" "تاريخ الثاني من حزيران 2003" اي قبل تسعة اعوام, وكانت المادة من تحرير الزميل حسين جلعاد.

بيد ان الاهم من هذا العنوان "ديمقراطيات اسلامية تحت الوصاية الامريكية" هو صاحب هذه الدعوة او المشروع وهو الامريكي اليهودي, نوح فيلدمان احد مهندسي تحطيم العراق, وفيلسوف دستور فدرالية الطوائف العراقية التي استهدفت ضرب فكرة القومية العربية واستبدالها باتحاد طوائف ومذاهب..

اما الاهم من الاهم السابق, فهو الاسماء والقوى التي اقترحها هذا اليهودي لقيادة "العالم العربي الجديد" حسب وصفه ومنها يوسف القرضاوي في مصر وراشد الغنوشي في تونس وغيرهما..

ويضيف فيلدمان, من الافضل للولايات المتحدة التخلي عن سياساتها السابقة في تبني الانظمة التقليدية لصالح الرهان على الحركات الاسلامية المعتدلة ويتابع في كتابه الذي اصدره لهذه الغاية, تحت عنوان "بعد الجهاد: امريكا والكفاح من اجل الديمقراطية الاسلامية" وبالحرف الواحد ما يلي:

1- "اي خطر علينا من الاسلاميين.. انهم في الحقيقة افضل امل لتحقيق الديمقراطية في الشرق الاوسط".

2- "انه حتى لو اعلن الاسلاميون عن انشاء دول اسلامية في حال توليهم السلطة فان هذه الانظمة قد تكون اكثر فائدة من الانظمة القائمة".

3- "بالنسبة للمصالح الامريكية فمن الخطأ الاعتقاد بان الاسلاميين متعارضون معها ولذلك يستحقون التجربة الديمقراطية والوصول الى السلطة.. انهم املنا في العالم الاسلامي".

4- يركز فيلدمان على شخصيتين اسلاميتين هما القرضاوي والغنوشي ويدعو لدعمهما وتسهيل وصول تأثيرهما في العالم الاسلامي والعربي اضافة لشخصيات اخرى, مثل خالد ابو الفضل وعبدالكريم سوروش الايراني وفهمي هويدي.

5- ويختم فيلدمان تصوراته بحث الادارة الامريكية على تبني نموذج الاسلام التركي وتمكينه انطلاقا من "الشرق الاوسط".

الأحد، ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٢

دمشق والصحافة الاجنبية- د. حياة الحويك عطية

 د. حياة الحويك عطية
العرب اليوم الأردنية
 
2012-01-30
عندما وصل استاذ الجيوبوليتيك الى موضوع العالم العربي, قال للباحثين الذين يشرف على اطروحاتهم للدكتوراه, هذه الدول لا يمكن تناولها الا كاديان وطوائف ومذاهب واتنيات. انها فسيفساء غير متجانسة, كان بين الفريق المكون من تسعة, خمسة من اقطار عربية مختلفة, لم يعترض منهم الا واحد: ساله, وما قولك يا دكتور لو تناولنا اوروبا بذات المقاربة ? افلا نعود الى مسببات الحربين العالميتين? بل الى ما قبلها من حروب قارية? ماذا لو تناولنا فرنسا كغوليين وفرانك وبريتون واصحاب اصول مختلفة تعود الى كل المستعمرات? لماذا تفرض قوانين مكافحة العنصرية عندكم عقوبات كبرى على كل من يحدد الهوية بالدين او العرق, فيما ترسخون هذه الانتماءات لدينا?

صمت الرجل برهة, وقال: هذا صحيح, ولكننا دفعنا ثمنا غاليا من الحروب والثورات حتى خرجنا من كل ذلك الى دولة المواطنة وانتماء المواطن. انتم ما زلتم وراءنا بقرنين على الاقل, في هذا المجال.

وجه من وجوه الحقيقة, غالبا ما نرفضه معترضين بان الغرب يغذي هذه التجزئة بيننا, كما انه المسؤول عن تجزئة جغرافيتنا وشعوبنا في اتفاقيات سرية لم تعلن الا بعد انتهاء حروبه. ولا شك في ان ذلك صحيح, ولكن اين مسؤوليتنا نحن في ذلك? واين اصبحت الاتجاهات التنويرية التي عملت على تجاوز هذه العوامل المدمرة منذ مطلع عصر النهضة?

هذا الصباح أقرأ الصحف الفرنسية, واستمع الى البي بي سي, التي تبدو احيانا موضوعية اكثر من بعض وسائل الاعلام العربية, ويعيدني الامر الى ما قبل الحرب على العراق. الاجواء نفسها, السم في الدسم في اكثر ما يبدو موضوعيا: لا يذكر اسم حي او مدينة الا ويقال انه ذو اكثرية علوية او سنية او كردية او سريانية او عربية او او... من مختلف صنوف الجزيئيات المفككة, حتى لو تقدم العلوي السني عليها كلها (مؤقتا). واذ اقول مؤقتا فانما لنتذكر الحرب اللبنانية التي بدات بين فريقين ثم تشظت الى عشرات الفرق حتى ضمن المعسكر الواحد والطائفة الواحدة.

من صحف اليمين الى صحف اليسار مرورا بالوسط لا ارى فارقا في التناول, امر بتقارير المراسلين من سورية, فاكتشف انها وبوضوح ابعد بكثير من تقارير صحفية, لانها تعكس, وبحسب كاتبيها, حركة مكلفين بمهمات محددة, بالتنسيق مع جهات محددة, يقومون بها في اصعب ظروف المخاطرة, الليلية غالبا, التي يروونها وكانها فيلم رعب. ولا يتورعون عن تحديد طبيعة الجهة التي اطلقت النار هنا او القناص المتمركز هناك (نقلا عن فلان من الجيش السوري الحر) وكأن روايته لا تحتاج الى التحقق.

في تقرير عن ضاحية من ضواحي دمشق, تتحدث البي بي سي عن زيارة فريقها للبلدة لكن الكاميرا تتوقف على حاجز لمقنعين يقولون انهم من الجيش الحر, ويروي المراسل كل روايته بناء على ما يقولونه له, ثم يختم بان زيارة الضاحية كانت خطيرة.

لا نجد في كل هذا الاعلام كلمة واحدة عن الاصلاح, ولا نستغرب ذلك من دول تحلم بالهيمنة على المنطقة, ولها مصلحة وجودية في تدمير سورية, ولذلك فلا مصلحة لها باجراء اصلاحات تعيد البلد الى الهدوء, وبمصالحات توحد جهود السوريين لبناء الغد. وقد لا نستغرب وجود غوغاء ومنتفعين التفوا على المعارضين الحقيقيين الذين كانوا يناضلون لاجل هذه الاصلاحات, ولا نستغرب ان هؤلاء غابوا عن الشاشات ليحل محلهم هؤلاء الذين لم نسمع بهم يوما, لا معارضين ولا حتى سياسيين والذين يخرجون علينا من الشاشات كما من القمقم السحري لا ليقولوا شيئا الا المطالبة بالتدخل الخارجي لاحتلال بلادهم بينما يتسكعون هم على ارصفة الغرب. لكن ما نستغربه هو هذه الدول العربية المضروبة بالبهسة, وكأنها لا تعرف ان النار متى وصلت الى مرادها في سورية فان الدور على التالي, ثم, ثم, حتى النهاية.

الأحد، ١٨ كانون الأول ٢٠١١

احتمالات اخرى - د.حياة الحويك عطية


د. حياة الحويك عطية
عن صحيفة العرب اليوم
١٢.١٢.٢٠١١

الانباء القادمة من باريس تقول ان الوكيل التركي يتخوف من تحول خطير في المنطقة ينتج عن الانسحاب الاميركي من العراق. حيث يهدد ما بعد الانسحاب بحرب اهلية سنية شيعية, واذا ما حصل ذلك فان الطرف القوي والمستقر في العراق سيكون المنطقة الكردية وحدها. تحول يؤشر اليه اندفاع رجال الاعمال باتجاه اربيل, ومعهم رجال السياسة. على سبيل المثال, وفي الاطار ذاته, تتحدث الاوساط السياسية اللبنانية عن زيارتين لوليد جنبلاط وامين الجميل الى شمالي العراق.

هذا التحول, ان حصل, سيقوي مطالب الاكراد وحركتهم, وبالتالي سيشل الحركة التركية الحرة في المنطقة, وسيهدد كلا من ايران وسورية, فهل يعيد خلط الاوراق بطريقة مختلفة? وهل سيكون احد نتائجه عودة المبادرة العربية من اليد القطرية الى اليد السعودية?

منذ بداية التحرك العربي والكثيرون يتساءلون كيف يمكن ان تترك الرياض قيادة المركب العربي للدوحة, هي التي لم تكن تضع في حسابها يوما الا ثلاث عواصم : القاهرة ودمشق وبغداد. وان نقول يوما فانما نبدأ من ظهور الاسلام وحتى ظهور النفط, ومن ايام المحميات الخليجية حتى تشكل مجلس التعاون الخليجي, مرورا بايام المنافسة مع عبد الناصر وصدام حسين.

السياسة السعودية كانت دائما مدفوعة بالاصرار على دور القيادة, سواء على مستوى العالم العربي او العالم الاسلامي, وبشكل اكثر بديهية على مستوى مجلس التعاون الخليجي. فلماذا نجدها اليوم تقف وراء اصغر دول هذا الاخير? ألم يكن من المنطقي انه وقد حيدت مصر منذ كامب ديفيد, ودمرت بغداد, وشبكت دمشق بمشاكلها, ان تبرز السعودية كالدولة المفتاح?

قد يكون جواب الاستراتيجيين بان السعودية قد اعطيت تفويضا بخصوص الخليج العربي, عبر توليها موضوع البحرين, ومن ثم موضوع اليمن, ولان هذين الموضوعين يشكلان موضوعا حدوديا وامتدادات بشرية, أي قضية حياة او موت بالنسبة لها, فقد وجدت نفسها مجبرة على ان تقايض هذا التفويض بترك الملفات الاخرى لغيرها, حتى ولو اختار الامريكيون ان يكون هذا الغير هو قطر الدولة الخليجية الميكرو التي لم تعترف بها السعودية, يوما.

اما اسباب هذا الاختيار فكثيرة, منها ان الجهات الغربية تخطط دائما لاضعاف وتحطيم الدول العربية الماكرو, وبشكل خاص مصر والعراق وسورية والسعودية, بصرف النظر عن طبيعة الانظمة التي تحكمها. فطالما ان هذه الدول تملك ما يسمى في العلوم السياسية عناصر السيادة : الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ والثروة, فان ما من شيء يضمن عدم حصول تغيير يصب ضد المصالح الامريكية والاسرائيلية.

لذلك عملت هذه الجهات, بالمقابل على اعطاء دور للدول الميكرو التي لا تملك عناصر السيادة هذه, خاصة اذا كانت تملك الثروة, لفائدة هذه الثروة ولاستحالة حصول تغير فيها يصب في الخط الذي ذكرنا. فمن الذي سيقوم به? وماذا يفعل عبد الناصر نفسه لو ظهر في قطر? او حتى صلاح الدين?

غير ان الخطير في هذا التحليل هو ان الدور القادم, بعد سورية, هو على السعودية, وذاك ما كتبته معاريف في عنوانها لرئيسي بعد سقوط العراق: "اليوم العراق وغدا السعودية, اما مصر فهديتنا الكبرى". ولا شك ان السعوديين يدركون ذلك جيدا.

من هنا نعود الى الاحتمالية العراقية المطروحة, فاذا ما انحسر الدور التركي في سورية بسبب الاكراد, فان قطر لن تكون قادرة وحدها على استكمال المخطط, مهما صبت من اموال, وعندها سنجدنا امام احتمالين:

الاول هو الاسراع في التدويل وهذا ما تصر عليه الآن جماعة المجلس الانتقالي السوري, ويستعجلونه, في حين تتمسك برفضه جماعة هيئة التنسيق الوطنية, الذين يعترفون بانهم يواجهون ضغوطا عربية واجنبية اسوأ من كل ما واجهوه منذ بداية الازمة.

والثاني ان يجد السعوديون فرصتهم للعودة الى الامساك بزمام قيادة مجلس الجامعة العربية. خاصة اذا لم تؤد مبادرة الوساطة العراقية التي تبذل الآن الى نتيجة.

قيادة في أي اتجاه?

لا جواب الآن?.