الخميس، ٢٣ شباط ٢٠١٢

حزن اشتون على مصر- د. حياة الحويك عطية

د. حياة الحويك عطية
23-2-2012
حزينة!! مسكينة السيدة اشتون, وربما كان على المصريين ان يقدموا لها مناديل من الدانتيلا لتجفيف دموعها. اي استخفاف بعقول الناس ? واي ناس يبرهنون كل يوم على ما يقوله عنا الغرب من اننا شعوب عاطفية, لا عقلانية, ولذلك فان اللعب على العواطف والمكبوتات والتمنيات هو اسهل طريق يسلكها الغرب الذي بنى نهضته على العقلانية النقدية البعيدة عن العواطف, خاصة في الامور العامة.

المفوضة العليا للاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون المعروفة بمواقفها المعادية للتيارات القومية العربية, تذكرت فجاة جمال عبد الناصر, ووجدت فيه مدخلا ولا افضل لاجتذاب القطاع الاكبر من المصريين والعرب عموما, ولم تخش السيدة ان يتذكر العرب ( الذين يحنون لايام ناصر ) ان من شن الحرب على مصر الناصرية عام 1956 لم يكن الولايات المتحدة, بل فرنسا وبريطانيا. فجأة وجدنا "أوروبا كلها تحترم عبد الناصر لأنه كان خصما شريفا تولى رئاسة مصر فى أحلك ساعات التاريخ المصري ولو عاش عبدالناصر لكانت مصر دولة عظمى أكبر من روسيا فى الشرق الأوسط " . على حد قول السيدة اشتون.

غير ان الغرائبية لا تكمن في تقدير عبد الناصر بقدر ما كانت في الانتقادات الموجهة الى نظام حسني مبارك الذي طالما اعتبره الغرب الاوروبي والاميركي الحليف الاول في المنطقة العربية ولا ننسى ان ساركوزي اختاره لمشاركته رئاسة الاتحاد المتوسطي, كما لا ننسى الاستقبال النابوليوني الذي كان يلقاه كلما زار اوروبا. بل ان مركز اليونسكو في باريس كان ينصح كل من اراد منحة بحثية عن العالم العربي بالدخول عبر بوابتين احداهما السيدة سوزان مبارك, لانها تمول برنامجا بحثيا ومنحا.

كيف تحول الحليف الى مدان يجعل السيدة اشتون تقول "أنا حزينة على مصر وشعبكم فلقد تعرضتم في مصر لما هو يفوق الخيال في الاحتيال والسرقات وتجريف الثروات المادية والطبيعية والافتراضية لو صح التعبير حتى أن -الفايكنج- وهم أشرس الغزاة الذين شهدهم التاريخ البشرى في أوروبا ما كانوا سيتمكنون من سرقة مواردكم مثلما فعل بكم نظام مبارك"

لانه وببساطة لم يعد نظاما حاكما, ولان الرئيس الكبير ( كما كان يلقبه الاوروبيون ) اصبح يدخل قاعة المحكمة على سرير وولداه بملابس السجن البيضاء. ولان مجلس الشعب المصري اصبح يتشكل من غالبية اسلامية تليها قوى قومية وليبرالية. وبما ان الاسلاميين في تحالف مع الولايات المتحدة, فان على اوروبا ان تجتذب القوى الاخرى, وهل افضل من ذكرى عبد الناصر وترا يعزف عليه لتحقيق ذلك? لذلك حرصت السيدة على ترداد اسمه مرات خلال تصريحها وذاك ما لا تحتاجه الصياغة.

صحيح ان لدى مصر " ثروات تكفي لمساعدة ربع الدول الأوروبية إذا استغلت تلك الثروات بشكل جيد"- كما قالت اشتون - ولكن الثروة الكبرى التي اجتذبت اوروبا منذ غزوة نابوليون حتى غزوة ال,56 هي ثروة الموقع والديموغرافيا والجغرافيا, التي تجعل من مصر, الدولة العربية الاولى والدولة الافريقية الاولى, وسيدة وادي النيل, مما يفسر حرص اوروبا على الحصول على موطىء قدم فيها ايا يكن الثمن. وهذا ما يفسر الجواب علي السؤال : اذا كانت " لدى الاتحاد الاوروبي معلومات وارقام مؤكدة كما تقول اشتون. تقول بان ما تمت سرقته وإهداره من أموال وأرصدة وثروات مصر الطبيعية خلال الـ 15 عاما الماضية من نظام مبارك, يبلغ 5 تريليون دولار أمريكي" فلماذا كانت اوروبا تحالفه وتغدق له الثناء والدعم ? واذا كان ذلك المبلغ " يكفى تحويل مصر إلى دولة أوروبية متقدمة", كما تقول اشتون ايضا, فهل هذا ما يريده الغرب? وهل كان العدوان الثلاثي ودعم حرب الـ 67 ودعم كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادي, الا سلسلة من المعارك في حرب منع مصر من ان تصبح دولة متقدمة ? وبالتالي ما هي " الخطوات الفعالة...ذات الطابع التنفيذي " التي قالت ان اروربا تريدها من مجلس الشعب الجديد ? وهل لاجل تلك الخطوات اطلقت المفوضة الاغراء بفتح باب اوروبا امام الشباب المصري والواردات المصرية ? واي اغراء هذا اللهم الا الاستنزاف الشبابي والسوق التجاري بين قوتين غير متكافئتين في الانتاج.

أما المفارقة الكبرى فهي ان الجملة التي اشترطت الديمقراطية ربطتها بالقول كما كانت مصر امام عبد الناصر. فمتى اعتبر العالم, وتحديدا اوروبا عبد الناصر ديمقراطيا ?

اي استخفاف بالعقول! اي لعب على العواطف! واي تقاسم بين القوى الغربية لقوانا الشعبية! .

الثلاثاء، ٢١ شباط ٢٠١٢

سورية المشهد.. الواقع ومرتفعات الاخلاق - د.مكرم خوري مخول

 20- 1- 2012
عن القدس اللندنية
غير عادته وقبل القاء التحية سألني طالب دكتوراة اوروبي قبل بضعة ايام وبارتباك شديد بدا على اسارير وجنتيه :'ما الذي يحصل في سورية'؟ فسألته: اية وسائل اعلام تقرأ وتشاهد؟ قال متسائلا :'لا اعرف تصديق من فيهم'. فذكرته ان قبل خمسة شهور من اندلاع الحرب العالمية الثانية وفي خطاب له يوم 19 نيسان 1939 تطرق وزير الخارجية البريطاني (1938-1940) اللورد ادوارد وود-هاليفاكس (1881ـ 1959) وهو من اهم السياسيين الذين عرفهم حزب المحافظين البريطاني في النصف الاول من القرن العشرين، الى موضوع الدعايةالبروباغندا ودورها في قرع طبول الحرب بهدف الترويج لبعض الادعاءات او الاكاذيب التي من شأنها التغطية عن الاسباب الحقيقية التي تقف وراء الحروب والنزاعات قاصدا المانيا بقيادة ادولف هتلر ووزير اعلامه د. جوزيف غوبلز، حيث قال:
'ان اختراع نظريات جديدة لتبرير سياسات التوسع وطرح ادعاءات عرقية وما شابه لا تصنع الا لغرض التغطية ولتبرير استخدام القوة حيث يتم دوما حجب الحقيقة وطلاءها بالسواد بواسطة الدعاية-البروباغندا العنيفة'. واضفت قائلا للطالب ان تعريف هاليفاكس ورد قبل ان يصرح احد اهم رواد المسرح العبثي (مسرح الابسورد) الفيلسوف والكاتب الروائي الروماني-الفرنسي يوجين يونيسكو (1909-1994) بان هدف البروباغندا بالاساس هو هدم وعي وادعاءات الطرف الآخر. فسوف لا نبتعد كثيرا اذا ما شبهنا ما يجري في عالم السياسة الدولية بتركيبة العمل المسرحي. فنهاك المشهد الذي يراه الجمهور على المنصة الخارجية وهناك كل ما يجري خلف الكواليس. ففي السياسة (وشعبتها الخارجية) - العلاقات الدولية - وفي كل نزاع محلي او اقليمي او عالمي هناك من تلقى عليه مهمة ادارة الازمة وآخر، ادارة 'مشهد الازمة' ومن يكتب السيناريو(هات) ومعه يدرج تقسيم الادوار (الرئيسية والثانوية والامامية والخلفية) الذي يقرره عادة المخرج لكي يقع الاختيار على اكثر الممثلين القادرين على اتقان الدور لكي ينفر في النهاية (التراجيدية لنقل) دم المقتول وتذرف دموع الجمهور . 'اعرف ان القتلى من كل الاطراف هم سوريون، ولكن من المستفيد في الشأن السوري'، اردف الطالب. عندها نصحته بالبحث عن الاجابة بشكل مستقل على امل الاستمرار في الحوار بمناسبة اخرى. افترقنا وكان املي، الغير معلن له على الاقل، الا يأتني بتحليل يعالج مواقف من يساهم بادارة السياسة الخارجية للدول وبالتحديد ملف الازمة السورية بل ان يأتي بتحليل عن موقف الجمهور وتلقيه كل هذا الكم المستفيض من الرسائل الاعلامية ومدى وكيفية تأثره او عدمه من الخطاب السياسي المعلن لهذا الطرف او ذاك عبر بياناته المنتشرة في الفضاء العمومي. فقد عكس ارتباك هذا الطالب حيرته كعضو في شريحة من الجمهور (الضلع الاول) وليس بارتباطه بذلك السياسي (الضلع الثاني) الذي يحاول صناعة القرار او ضحايا القرار (الضلع الثالث لمثلث الصراع) بشكل مباشر او غير مباشر .
'الضلع الثالث الذي يتشكل من اولائك الضحايا الذين يتواجدون في بؤرة الصراع على الارض في كلا الطرفين هم وحدهم من يملك (كل منهما على حدى) اجزاء مختلفة من مكونات واقع الاحداث الجارية وذلك قبل تآطير الواقع وادلجته ونقله مباشرة او مسجلا او محرراً بامانة او تلاعب الى الرأي العام ليصبح مشهدا في مقدوره او عدمه المساهمة في تشكيل الرأي العام. كما ان الجناح الاعلامي (مهنيا كان ام هاويا) الاسرع والاكثر مهارة وصاحب العلاقة والادوات لتوصيل ما يؤطره (بغض النظر اذا ما كان يعكس الواقع بشموليته) لعناصر خارجية تملك وسائل الاعلام وتستفيد مادياً من المشاهد الواردة، هو الذي قد يكسب شوط المعركة (وليس بالضرورة كل الاشواط ) الاعلامية المنقولة بشكل صادق او اقل من ذلك. فالرسائل المنقولة اعلاميا قد تؤثر او لا تؤثر على هذا المشاهد او ذاك. احد المشاهد الذي تم اختيارها في المسرحية الاعلامية التي تستهدف نقل الواقع كما تراه وتريده وسائل الاعلام هو ان يلتصق في ذهن المشاهدين عن مجريات الاوضاع في سورية مشهداً استطاع ولو بشكل جزئي ان يخلق في عقول (ولاسباب تعود الى معدل المهنية الاعلامية او سياسة التحرير) شريحة من الناس صراعا نفسياً داخلياً خلاصته: 'انا مع سورية العروبة والمقاومة وضد تقسيمها وتدميرها، ولكن يؤلمني مشاهدة القتل الجاري في بعض المناطق السورية'. هذه الجملة تسلط الضوء على النظم القيمية للفرد وعواطف اخلاقه والا لما كان ليصدر هذا الحكم المركب. فاطلاق الاحكام ينقسم الى نوعين: السخط والاستنكار او الموافقة والاستحسان لممارسات احد الاطراف او جميع الفرقاء. واحياناً يتحول موقف فرد معين من الجمهور من موقف مستحسن يوم امس الى مستنكر اليوم لأعمال طرف في النزاع وذلك بعد ان قام هذا الطرف بفقدان اخلاقياته نتيجة لتبنيه اعمال ثآر عنيفة تجعله يصنف في ذات الفئة التي تم تصنيف الطرف الذي بادر لإستعمال العنف بداية فيها، مما افقد (في نظر شرائح من الجمهور) الطرف المستقبل للعنف بداية، تفوقه الاخلاقي. فاذا افترضنا (وقد اخترت هذه الكلمة لأنني كمحاضر جامعي وباحث اكاديمي ليس لدي دلائل مادية قاطعة مدقق بها لأحكم بشكل موزون وقاطع) ان فرداًافراداً من احد اجنحة الامن السوري قد بادر في مارس 2011 الماضي الى استعمال طاقة العنف الجسدي المدعوم باسلحة وأدى الى اراقة دماء او حتى التسبب بالعذاب للآخرين، فان تطور رد الفعل من قبل بعض الاطراف (اكرر انه من الصعب معرفة عدد وتبعية الفئات المناوئة والعاملة ضد الحكم في سورية) قد اخذ منحىً تبنى فيه هو الاخر استعمال العنف حيث تم نقله كمشهد مضاد. فاذا كانت النظم القيمية الاخلاقية لبعض الشرائح المجتمعية لاولئك الذين يستنكرون اراقة الدماء من قبل عنف مدعوم من الحكومة السورية، فكيف يمكن ان يقبل الفرد ذاته بمشهد يصور اراقة دماء سوريين اخرين على ايدي اطراف مدعومة بالمال والعتاد من قبل جهات عربية او غربية، دون سخط او استنكار؟. فان اصدار الحكم من قبل الافراد او شرائح من الجمهور عما تقوم به الاطراف في سورية، واطلاق مصطلحات عامة ورائجة مثل 'موافق وصحيح' او 'غير موافق وخطاء' لا يحمل معنى الا اذا ارتبط المشهد بمبدأ 'المنفعة' لأحد الاطراف. ولذلك فالفرد (سورياً كان ام عربياً ام آخر) الذي لا مصلحة مالية له في النزاع ولم يتأثر بشكل مباشر او غير مباشر على الارض مما يجري في سورية ويتبنى بشكل بديهي حزمة من النظم القيمية الاخلاقية التي تقف ضد العنف على كل انواعه والتي تفرز اخلاقاً عاطفية غاضبة ضد اعمال القتل من اي طرف، ليس من الاخلاقي ان يستنكر ما تقوم به الحكومة السورية ويغض الطرف ولا يستنكر ما تقوم به الاطراف الاخرى المدعومة سياسيا وماليا وعسكريا من اطراف خارجية والتي تسبب وتوسع رقعة الآلم والخسائر في الارواح. ذلك لأنه سيختل توازن الموقف الاخلاقي اذا تم تطبيقه بشكل منقوص: فكري ومبدئي في حالة معينة وفكري ومبدئي مقرون بالممارسة والنتائج في حالة اخرى، لأن هذا سيظهر ما يسمى بازدواجية المواقف والمعايير وقد يزيد من حجم الازمة النفسية لذلك المشاهد حيث سيجعله يبحث عن مبررات ويعيش في صراع نفسي كالذي يظهر على خشبة المسرح او الشاشة .
ان تتلقى فئات (من الجمهور) تشاهد وتستمع وتقرأ رسائل مؤيدة او معارضة من او عبر وسائل الاعلام لهذه الطرف او ذاك، وتتبنى المشهد المنقول دون مساءلة او مراجعة او تحقيق والتظاهر بأن احكامها موضوعية غير منحازة فهذا لا يعني بالضرورة ان هذه المواقف 'الموضوعية' هي الصواب. فمن يراقب ويسجل مستعملاً مناهج البحث العلمي (الكمي والنوعي) يصل الى نتيجة تستدعي ما سآله الطالب المذكور اعلاه: 'لا اعرف تصديق من فيهم'. فالمسآلة هي ليست فقط 'من يصدق'، بل ان المسآلة تعود هنا فيما اذا كانت نظمك الاخلاقية، انت كمستهلك للمادة الاعلامية، مع استعمال العنف وتبرير اراقة الدماء بشكل من الاشكال ام لا، وذلك قبل ان تعرف الحقيقة من التلاعب في رواية هذا الطرف او ذاك؟
لان وجود الاراء المختلفة بما يتعلق بالصواب والخطأ، هو ما يسلط الضوء على الفرق العاطفي بين البشر والحيوانات، ويتيح للآراء ان تكون عرضة للتغير عبر حيازة كم اكبر من المعلومات ومن اكثر من مصدر واحد والقيام بالمقارنة فيما بينها. هذه هي العملية التي من شأنها ان ترتقي بنا كجمهور مشاهدين الى درجة اعلى من الفهم وتقييم النزاعات السياسية الدموية حتى لا تتحقق الخدعة الدعائية بسهولة نسبية ولكي لا تتم عملية حجب الحقيقة وطلاءها بالبروباغندا السوداء التي ذكرها هاليفاكس.

' اكاديمي جامعة كيمبريدج- بريطانيا

الاثنين، ٢٠ شباط ٢٠١٢

حول الموقف من الإسلام السياسي بعد الربيع العربي الأمريكي - د.ابراهيم علوش

بوصلتنا:  تحليل موقف دوري للحدث السياسي

د. إبراهيم علوش

تناقلت وسائل الإعلام في 12/2/2012 تصريحات لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، نقلاً عن تسجيل مصور، دعا فيها: أ – للعمل المسلح ضد النظام السوري، ب – لانتقال المسلحين من الدول المجاورة لسوريا للمشاركة بمثل ذلك العمل المسلح. 

وقد جاءت تلك التصريحات بعد يومٍ من تقارير صحفية دولية نقلت عن مصادر أمنية أمريكية قولها أن تفجيرات دمشق وحلب كانت من فعل تنظيم القاعدة، ونقلت عن مسؤولين عراقيين أن مسلحين "جهاديين" تسللوا من العراق إلى سوريا وأن تهريب السلاح إلى سوريا عبر العراق يشهد انتعاشاً كبيراً.

وتأتي هذه الأقوال والأفعال المتعلقة بسوريا بعد مشاركة عناصر محسوبة على "القاعدة" في ليبيا مع حلف الناتو هناك.  ولا بد أن نشير في نفس السياق لافتتاح مكتب سياسي لطالبان في قطر وما يشاع عن الحوار الجاري بين تلك الحركة والولايات المتحدة، كما نشير لانقلاب خريطة التحالفات في أفغانستان وتوجه منظمة شنغهاي للتعاون (أي الصين وروسيا) لاحتضان كرزاي، ومد إيران، على هذا الأساس، لخيوطها باتجاهه.  ونشير لتزايد التوترات داخل باكستان بين الجهاز الأمني الراعي لطالبان وبين القيادة السياسية ممثلة بالرئيس زرداري وحزب الشعب الباكستاني، كما نشير للقمة الإقليمية التي عقدت في باكستان في 18/2/2012 بين زرداري وكرزاي وأحمدي نجاد، وهو ما يمثل نوعاً من الابتعاد عن الولايات المتحدة، خاصة في ضوء تأكيد باكستان على تمديد خط الغاز الإيراني في الوقت الذي تحاول فيه الإمبريالية تشديد الحصار على إيران. 

الفكرة هي أن تصريحات الظواهري الأخيرة، ومشاركة أنصار القاعدة وتلامذتها في عدوان الناتو المباشر وغير المباشر على ليبيا وسوريا، ومجمل التطورات الإقليمية، كلها تدل بأن تلك الحركة وامتداداتها تكاد تكمل دورة كاملة حول نفسها لتعود بسخونة للحبيب الأول من مرحلة الحرب الباردة، عندما كانت مجرد امتداد للمشروع الأمريكي في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، وها هي توظَف اليوم كجزء من الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة الصعود الروسي-الصيني واحتوائه بطوقٍ إخواني-سلفي-"جهادي" لم يعد تحالفه الميداني والسياسي مع الناتو يخفى على أي مراقب موضوعي.

ونقول: تكاد تكمل دورة كاملة حول نفسها، ولم تكمل تلك الدورة تماماً بعد، لأن ثمة نقاط مثل اليمن والصومال لا تزال تعيق اكتمالها، لأنها نقاط لا تزال تعمل بتأثير قوانين المرحلة السابقة، مرحلة "صراع الحضارات" و"الحرب على الإرهاب".  لكن ذلك ليس إلا الاتجاه الهابط، أما الاتجاه الصاعد الذي يزداد اتضاحه إلى حد حسم الشك باليقين يومياً، فهو ذاك الذي برز في ليبيا، ممثلاً بعبد الحكيم بلحاج مثلاً، وهو الاتجاه الذي يبرز الآن من خلال تصريحات الظواهري حول سوريا وتسرب "الجهاديين"، خاصة من غير السوريين، للمساهمة بحسم معركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ل"تغيير النظام" في سوريا.

ويبرز ذلك الاتجاه الصاعد أيضاً بتحول طائرات البنتاغون بلا طيار للتجسس على سوريا، بعيداً عن الميادين التقليدية لما سمي يوماً "الحرب على الإرهاب"، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية في 18/2/2012 عن قناة تلفزيونية أمريكية قالت أن عدداً معتبراً من تلك الطائرات باتت تطير الآن فوق سوريا لرصد الحالة هناك.  ويشار أن تلك الطائرات قادرة على القيام بعمليات اغتيال وقصف صاروخي، وقادرة على تعطيل شبكات الاتصالات والمعدات الالكترونية والكهربائية، وعلى تسهيل الاتصال مع العملاء على الأرض، وليس على التصوير فحسب، وبالتالي فإن نشر تلك الطائرات، بكميات معتبرة، في سماء سوريا، يؤشر رسمياً على بدء مرحلة التدخل العسكري الغربي المباشر، بغض النظر عن تطمينات راسموسن لروسيا والصين بأن الناتو لا ينوي التدخل المباشر في سوريا.  ونضيف إلى ذلك تقرير موقع السي أن أن في 7/2/2012 بأن البنتاغون يعد خططاً للتدخل العسكري في سوريا لتكون جاهزة في حالة تغير التوجه السياسي.

وقد جاء تدمير جرذان الناتو ومجلس التعاون الخليجي لنصب القائد القومي العربي خالد الذكر جمال عبد الناصر في بنغازي في 11/2/2012 بالجرافات والمطارق ليؤكد من خلال رمزية الحدث أن ما يسمى ب"الربيع العربي" هو (أو قد تحول إلى - كما يرغب القارئ الكريم، لأن النتيجة واحدة) مشروع انقلاب على كل رموز وعناوين مرحلة المد القومي التحرري في الوطن العربي في الخمسينات والستينات.  وبهذا المعنى، فإن ذلك "الربيع" يكون قد بدأ رسمياً في العراق عام 2003، ويكون تحالف الإخوان المسلمين، من خلال الحزب الإسلامي العراقي، مع الولايات المتحدة وحلف الناتو قد تم تجديده هناك، بين طارق الهاشمي وبول بريمر، دون أن يعفي ذلك الأحزاب الكردية والإيرانية في العراق من عقد التحالف نفسه وقتها وأكثر، سوى أن الحليف الأبرز اليوم بات الإخوان والسلفيين والجهاديين، إلا من رحم ربي.

ومن هنا لا بد لنا اليوم كقوميين جذريين أن نراجع موقفنا السابق من السلفية الجهادية التي أيدناها علناً عندما كانت تقارع الإمبريالية الأمريكية وحلفاءها (على ذلك الصعيد فحسب، وليس في كل مواقفها أو في برنامجها الثقافي والاجتماعي طبعاً).  وكان موقفنا وقتها ينبني على كونها أصبحت في فترة "الحرب على الإرهاب" ممثلة للقطيعة الجذرية مع الإمبريالية وامتداداتها سياسياً وثقافياً، ومع الأمر الواقع العربي، وأنها كانت تمثل بالتالي ردة فعل عمياء، تخلو من الوعي السياسي، ولكن لا تخلو من الحس العفوي السليم، على رثاثة الواقع العربي بكل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.  فلقد كانت تتصرف أحياناً كالثور الهائج في متجر للزجاجيات، لكنه كان ثوراً مخيفاً ورادعاً لأعداء الأمة أحياناً، وكانت دوافع هياجه وثورته مشروعة... ولو كان مفتقداً تماماً للعقل السياسي أو حتى التنظيمي.

أما الآن، فقد اختلف الاصطفاف، وبات من الضروري أن نشير أن كثيراً من فصائل الإسلام السياسي، ولا نقول كلها، قد عادت إلى موقع التحالف مع الإمبريالية بعد عشرين عاماً ونيف من انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبحت خلالها موضوعياً إحدى حوامل النقمة الشعبية العربية بصفتها قوة عمل عسكرية/ سياسية/ أيديولوجية فائضة مسرحة من خدمة الإمبريالية، تماماً كجيشٍ رفض تقبل أوامر حله، فتحول إلى قوة مناهضة لأسياده السابقين، وبالتالي إلى قوة مقاومة موضوعياً، إلى حين... كما اتضح من الصورة الآن.

وكانت الإمبريالية قد حاولت فرض النهج الليبرالي والتغريب بديلاً في بلادنا على مدى ذينك العقدين، ففشلت مع عامة الناس، ونجحت مع النخب السياسية والثقافية إلى حدٍ ما، حتى بات هنالك ليبراليون يزعمون أنهم قوميون أو ماركسيون أو إسلاميون (يمكن أن تكشفهم بسرعة من كثرة حديثهم عن الديموقراطية بدلاً من التناقض الرئيسي مع الإمبريالية والصهيونية ومشروع الوحدة والتحرير والنهضة).  لكن كل جهود الإمبريالية لتعميم النهج الليبرالي النافي لأي وعي وانتماء قومي ووطني، وكل جهود منظمات التمويل الأجنبي، وبرامج التدريب والتمويل، على ذلك الصعيد، لم تنجح بإنتاج انقلاب مجتمعي حقيقي بهذا الاتجاه، إلا عند شريحة من الشباب تبقى، ولو بلغ تعدادها عشرات الآلاف، أقلية بلا جذور أو إرث حقيقي في مجتمعنا العربي. 

على هذه الأرضية، يجب أن ننظر للحملة التي يديرها المجلس العسكري في مصر ضد منظمات التمويل الأجنبي الغربية (لأن الحملة لا تتطرق للتمويل الخليجي الموجه لبعض الإسلاميين في مصر) باعتبارها صراعاً على غنائم "الربيع العربي" بين زلم الأمريكان الليبراليين من جهة، وحلفاء الأمريكان الإسلاميين من جهة أخرى.  وهو صراع لا يعنينا كثيراً كقوميين جذريين لأنه لا ينطلق من طرح التناقضات الأساسية الداخلية والخارجية، ولا ينطلق من المصلحة العليا للأمة العربية في تحقيق مشروع الوحدة والتحرير والنهضة.

وقد أصبح من الواضح أن أساس الصفقة بين  من زعموا أنهم إسلاميون، من جهة، والإمبريالية، من جهة أخرى، هو تسليم زاعمي الإسلام للإمبريالية بالسياسة والاقتصاد (التبعية للخارج والمعاهدات الدولية ومع الكيان الصهيوني والسماح للشركات الدولية بأن ترتع في بلادنا كما تشاء، بغض النظر عن الذرائع)، مقابل تسليم الإمبريالية لهم بهندسة المجتمع ثقافياً كما يرغبون، وهو ما لن تسلم به الإمبريالية إلا ضمن قواعد لعبة "ديموقراطية" ملغومة، تتيح لها اختراقها من الداخل على المدى البعيد.  ومن هنا فإن انقضاض المجلس العسكري في مصر على التمويل الغربي بالتحديد، والمنظمات التي تدير لعبته، ليس إلا محاولة لقطع دابر تلك الإستراتيجية الثقافية-الاجتماعية التي تفعل فعلها ببطء ولكن بثبات.  لكن العنوان الحقيقي لتلك المعركة ليس السيادة، بل الصراع على السلطة بين حلفاء الأمس القريب.

ويمكن أن نضيف للصراع على السلطة بين حلفاء الأمس القريب ما يجري في العراق بين نوري المالكي وطارق الهاشمي، والعنوان المشترك هو دوماً محاربة القومية العربية وأي توجه قومي عروبي.  وعلى الرغم من اصطفاف المالكي خارج المعسكر المناوئ لسوريا حالياً بفعل تأثير إيران، فإن ذلك ليس إلا اعتباراً عابراً مؤقتاً يمكن أن ينقلب إلى ضده بسرعة في ظروفٍ سياسية مختلفة.  وندرك حاجة سوريا التكتيكية للمالكي في خضم هذه المعركة المصيرية لكل العرب والعالم على أرض الشام، لذلك لن نزيد، سوى أن التجييش الطائفي في العراق بين السنة والشيعة يضر بسوريا ومعركتها ولا يفيدهما، وكل من يسهم بإشعال مثل ذلك التجييش الطائفي في العراق يسهم بشق المجتمع السوري (واللبناني... والخليجي)، ولهذا لا بد من العودة للتذكير بالعروبة قاسماً مشتركاً بين السنة والشيعة والمسلمين والمسيحيين في أرض العرب.  فهذه باتت ضرورة موضوعية، لا مجرد شعار جميل، كما راحت تظهر الأحداث في كل مفصل.    


الأحد، ١٢ شباط ٢٠١٢

ديمقراطيات اسلامية بوصاية امريكية- موفق محادين

موفق محادين
2012-02-13

العنوان ليس من عندي بل كان عنوانا في ملحق اليوم السابع الذي كانت تصدره جريدة "العرب اليوم" "تاريخ الثاني من حزيران 2003" اي قبل تسعة اعوام, وكانت المادة من تحرير الزميل حسين جلعاد.

بيد ان الاهم من هذا العنوان "ديمقراطيات اسلامية تحت الوصاية الامريكية" هو صاحب هذه الدعوة او المشروع وهو الامريكي اليهودي, نوح فيلدمان احد مهندسي تحطيم العراق, وفيلسوف دستور فدرالية الطوائف العراقية التي استهدفت ضرب فكرة القومية العربية واستبدالها باتحاد طوائف ومذاهب..

اما الاهم من الاهم السابق, فهو الاسماء والقوى التي اقترحها هذا اليهودي لقيادة "العالم العربي الجديد" حسب وصفه ومنها يوسف القرضاوي في مصر وراشد الغنوشي في تونس وغيرهما..

ويضيف فيلدمان, من الافضل للولايات المتحدة التخلي عن سياساتها السابقة في تبني الانظمة التقليدية لصالح الرهان على الحركات الاسلامية المعتدلة ويتابع في كتابه الذي اصدره لهذه الغاية, تحت عنوان "بعد الجهاد: امريكا والكفاح من اجل الديمقراطية الاسلامية" وبالحرف الواحد ما يلي:

1- "اي خطر علينا من الاسلاميين.. انهم في الحقيقة افضل امل لتحقيق الديمقراطية في الشرق الاوسط".

2- "انه حتى لو اعلن الاسلاميون عن انشاء دول اسلامية في حال توليهم السلطة فان هذه الانظمة قد تكون اكثر فائدة من الانظمة القائمة".

3- "بالنسبة للمصالح الامريكية فمن الخطأ الاعتقاد بان الاسلاميين متعارضون معها ولذلك يستحقون التجربة الديمقراطية والوصول الى السلطة.. انهم املنا في العالم الاسلامي".

4- يركز فيلدمان على شخصيتين اسلاميتين هما القرضاوي والغنوشي ويدعو لدعمهما وتسهيل وصول تأثيرهما في العالم الاسلامي والعربي اضافة لشخصيات اخرى, مثل خالد ابو الفضل وعبدالكريم سوروش الايراني وفهمي هويدي.

5- ويختم فيلدمان تصوراته بحث الادارة الامريكية على تبني نموذج الاسلام التركي وتمكينه انطلاقا من "الشرق الاوسط".

الأحد، ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٢

دمشق والصحافة الاجنبية- د. حياة الحويك عطية

 د. حياة الحويك عطية
العرب اليوم الأردنية
 
2012-01-30
عندما وصل استاذ الجيوبوليتيك الى موضوع العالم العربي, قال للباحثين الذين يشرف على اطروحاتهم للدكتوراه, هذه الدول لا يمكن تناولها الا كاديان وطوائف ومذاهب واتنيات. انها فسيفساء غير متجانسة, كان بين الفريق المكون من تسعة, خمسة من اقطار عربية مختلفة, لم يعترض منهم الا واحد: ساله, وما قولك يا دكتور لو تناولنا اوروبا بذات المقاربة ? افلا نعود الى مسببات الحربين العالميتين? بل الى ما قبلها من حروب قارية? ماذا لو تناولنا فرنسا كغوليين وفرانك وبريتون واصحاب اصول مختلفة تعود الى كل المستعمرات? لماذا تفرض قوانين مكافحة العنصرية عندكم عقوبات كبرى على كل من يحدد الهوية بالدين او العرق, فيما ترسخون هذه الانتماءات لدينا?

صمت الرجل برهة, وقال: هذا صحيح, ولكننا دفعنا ثمنا غاليا من الحروب والثورات حتى خرجنا من كل ذلك الى دولة المواطنة وانتماء المواطن. انتم ما زلتم وراءنا بقرنين على الاقل, في هذا المجال.

وجه من وجوه الحقيقة, غالبا ما نرفضه معترضين بان الغرب يغذي هذه التجزئة بيننا, كما انه المسؤول عن تجزئة جغرافيتنا وشعوبنا في اتفاقيات سرية لم تعلن الا بعد انتهاء حروبه. ولا شك في ان ذلك صحيح, ولكن اين مسؤوليتنا نحن في ذلك? واين اصبحت الاتجاهات التنويرية التي عملت على تجاوز هذه العوامل المدمرة منذ مطلع عصر النهضة?

هذا الصباح أقرأ الصحف الفرنسية, واستمع الى البي بي سي, التي تبدو احيانا موضوعية اكثر من بعض وسائل الاعلام العربية, ويعيدني الامر الى ما قبل الحرب على العراق. الاجواء نفسها, السم في الدسم في اكثر ما يبدو موضوعيا: لا يذكر اسم حي او مدينة الا ويقال انه ذو اكثرية علوية او سنية او كردية او سريانية او عربية او او... من مختلف صنوف الجزيئيات المفككة, حتى لو تقدم العلوي السني عليها كلها (مؤقتا). واذ اقول مؤقتا فانما لنتذكر الحرب اللبنانية التي بدات بين فريقين ثم تشظت الى عشرات الفرق حتى ضمن المعسكر الواحد والطائفة الواحدة.

من صحف اليمين الى صحف اليسار مرورا بالوسط لا ارى فارقا في التناول, امر بتقارير المراسلين من سورية, فاكتشف انها وبوضوح ابعد بكثير من تقارير صحفية, لانها تعكس, وبحسب كاتبيها, حركة مكلفين بمهمات محددة, بالتنسيق مع جهات محددة, يقومون بها في اصعب ظروف المخاطرة, الليلية غالبا, التي يروونها وكانها فيلم رعب. ولا يتورعون عن تحديد طبيعة الجهة التي اطلقت النار هنا او القناص المتمركز هناك (نقلا عن فلان من الجيش السوري الحر) وكأن روايته لا تحتاج الى التحقق.

في تقرير عن ضاحية من ضواحي دمشق, تتحدث البي بي سي عن زيارة فريقها للبلدة لكن الكاميرا تتوقف على حاجز لمقنعين يقولون انهم من الجيش الحر, ويروي المراسل كل روايته بناء على ما يقولونه له, ثم يختم بان زيارة الضاحية كانت خطيرة.

لا نجد في كل هذا الاعلام كلمة واحدة عن الاصلاح, ولا نستغرب ذلك من دول تحلم بالهيمنة على المنطقة, ولها مصلحة وجودية في تدمير سورية, ولذلك فلا مصلحة لها باجراء اصلاحات تعيد البلد الى الهدوء, وبمصالحات توحد جهود السوريين لبناء الغد. وقد لا نستغرب وجود غوغاء ومنتفعين التفوا على المعارضين الحقيقيين الذين كانوا يناضلون لاجل هذه الاصلاحات, ولا نستغرب ان هؤلاء غابوا عن الشاشات ليحل محلهم هؤلاء الذين لم نسمع بهم يوما, لا معارضين ولا حتى سياسيين والذين يخرجون علينا من الشاشات كما من القمقم السحري لا ليقولوا شيئا الا المطالبة بالتدخل الخارجي لاحتلال بلادهم بينما يتسكعون هم على ارصفة الغرب. لكن ما نستغربه هو هذه الدول العربية المضروبة بالبهسة, وكأنها لا تعرف ان النار متى وصلت الى مرادها في سورية فان الدور على التالي, ثم, ثم, حتى النهاية.

الأحد، ١٨ كانون الأول ٢٠١١

احتمالات اخرى - د.حياة الحويك عطية


د. حياة الحويك عطية
عن صحيفة العرب اليوم
١٢.١٢.٢٠١١

الانباء القادمة من باريس تقول ان الوكيل التركي يتخوف من تحول خطير في المنطقة ينتج عن الانسحاب الاميركي من العراق. حيث يهدد ما بعد الانسحاب بحرب اهلية سنية شيعية, واذا ما حصل ذلك فان الطرف القوي والمستقر في العراق سيكون المنطقة الكردية وحدها. تحول يؤشر اليه اندفاع رجال الاعمال باتجاه اربيل, ومعهم رجال السياسة. على سبيل المثال, وفي الاطار ذاته, تتحدث الاوساط السياسية اللبنانية عن زيارتين لوليد جنبلاط وامين الجميل الى شمالي العراق.

هذا التحول, ان حصل, سيقوي مطالب الاكراد وحركتهم, وبالتالي سيشل الحركة التركية الحرة في المنطقة, وسيهدد كلا من ايران وسورية, فهل يعيد خلط الاوراق بطريقة مختلفة? وهل سيكون احد نتائجه عودة المبادرة العربية من اليد القطرية الى اليد السعودية?

منذ بداية التحرك العربي والكثيرون يتساءلون كيف يمكن ان تترك الرياض قيادة المركب العربي للدوحة, هي التي لم تكن تضع في حسابها يوما الا ثلاث عواصم : القاهرة ودمشق وبغداد. وان نقول يوما فانما نبدأ من ظهور الاسلام وحتى ظهور النفط, ومن ايام المحميات الخليجية حتى تشكل مجلس التعاون الخليجي, مرورا بايام المنافسة مع عبد الناصر وصدام حسين.

السياسة السعودية كانت دائما مدفوعة بالاصرار على دور القيادة, سواء على مستوى العالم العربي او العالم الاسلامي, وبشكل اكثر بديهية على مستوى مجلس التعاون الخليجي. فلماذا نجدها اليوم تقف وراء اصغر دول هذا الاخير? ألم يكن من المنطقي انه وقد حيدت مصر منذ كامب ديفيد, ودمرت بغداد, وشبكت دمشق بمشاكلها, ان تبرز السعودية كالدولة المفتاح?

قد يكون جواب الاستراتيجيين بان السعودية قد اعطيت تفويضا بخصوص الخليج العربي, عبر توليها موضوع البحرين, ومن ثم موضوع اليمن, ولان هذين الموضوعين يشكلان موضوعا حدوديا وامتدادات بشرية, أي قضية حياة او موت بالنسبة لها, فقد وجدت نفسها مجبرة على ان تقايض هذا التفويض بترك الملفات الاخرى لغيرها, حتى ولو اختار الامريكيون ان يكون هذا الغير هو قطر الدولة الخليجية الميكرو التي لم تعترف بها السعودية, يوما.

اما اسباب هذا الاختيار فكثيرة, منها ان الجهات الغربية تخطط دائما لاضعاف وتحطيم الدول العربية الماكرو, وبشكل خاص مصر والعراق وسورية والسعودية, بصرف النظر عن طبيعة الانظمة التي تحكمها. فطالما ان هذه الدول تملك ما يسمى في العلوم السياسية عناصر السيادة : الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ والثروة, فان ما من شيء يضمن عدم حصول تغيير يصب ضد المصالح الامريكية والاسرائيلية.

لذلك عملت هذه الجهات, بالمقابل على اعطاء دور للدول الميكرو التي لا تملك عناصر السيادة هذه, خاصة اذا كانت تملك الثروة, لفائدة هذه الثروة ولاستحالة حصول تغير فيها يصب في الخط الذي ذكرنا. فمن الذي سيقوم به? وماذا يفعل عبد الناصر نفسه لو ظهر في قطر? او حتى صلاح الدين?

غير ان الخطير في هذا التحليل هو ان الدور القادم, بعد سورية, هو على السعودية, وذاك ما كتبته معاريف في عنوانها لرئيسي بعد سقوط العراق: "اليوم العراق وغدا السعودية, اما مصر فهديتنا الكبرى". ولا شك ان السعوديين يدركون ذلك جيدا.

من هنا نعود الى الاحتمالية العراقية المطروحة, فاذا ما انحسر الدور التركي في سورية بسبب الاكراد, فان قطر لن تكون قادرة وحدها على استكمال المخطط, مهما صبت من اموال, وعندها سنجدنا امام احتمالين:

الاول هو الاسراع في التدويل وهذا ما تصر عليه الآن جماعة المجلس الانتقالي السوري, ويستعجلونه, في حين تتمسك برفضه جماعة هيئة التنسيق الوطنية, الذين يعترفون بانهم يواجهون ضغوطا عربية واجنبية اسوأ من كل ما واجهوه منذ بداية الازمة.

والثاني ان يجد السعوديون فرصتهم للعودة الى الامساك بزمام قيادة مجلس الجامعة العربية. خاصة اذا لم تؤد مبادرة الوساطة العراقية التي تبذل الآن الى نتيجة.

قيادة في أي اتجاه?

لا جواب الآن?.

الخميس، ١٧ تشرين الثاني ٢٠١١

لماذا انقلبت تركيا وقطر على سورية، بينما أيدتها روسيا والصين- غادة اليافي

لمن يريد معرفة الوقائع بشكل علمي وواقعي، ننشر هذه الدراسة وهي في غاية الأهمية للدكتورة غادة اليافي، ابنة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق عبد الله اليافي، حول الحرب على سوريا.

د. غادة اليافي
هذا المقال يحوي الإجابات المنطقية على كل التساؤولات المطروحة, لماذا انقلب التركي و القطري على سورية؟ ما هو سر الشرق الأوسط الجديد؟ ما هو سر إنقلاب أمير قطر على أبيه و أردوغان على معلمه نجم الدين أربكان؟ ما سبب الأحداث في سورية؟ الى أين تتجه الأحداث و ما هو مستقبل سوريا؟ ما هو سر وثائق ويكيليكس؟
[1]  الحرب على سورية

يسأل مواطن قائلاً إن نسبة من تظاهر في لبنان الى عدد سكان لبنان (مليون من أصل أربع ملايين لبناني) أكبر من نسبة من تظاهر في مصر نسبة الى عدد سكان مصر (مليونيين من اصل ثمانين مليون) و في لبنان الجيش و المقاومة لم يكونا تحت سلطة رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، فكيف يمكن لمظاهرة إسقاط نظام؟ ففي لبنان قام السينورة بحفل زفاف إبنه في السراي الحكومي نكاية بالمتظاهرين، بينما في مصر سقط النظام، فما هي أسرار الربيع العربي، و لماذا تركيا و قطر فقط هم رأس الحربة ضد سوريا؟
في هذا المقال سأقدم الإجابات عن كل الأسئلة المطروحة: قصة الربيع العربي، و الثورات المزعومة، و لماذا تريد واشنطن تقسيم المقسم و هل مشروع الشرق الأوسط الجديد حقيقة.
بدأت القصة منذ العام 1992 حيث تم إقرار إتفاقية كيوتو للحد من إنبعاث الغازات الى الجو و لمنع تفاقم الإحتباس الحراري، و في العام 1994 ألزم الإتحاد الآوروبي نفسه بهذه الإتفاقية و أصبح الغاز أهم من النفط، و الغاز موجود في إيران و روسيا، فهل ستسمح واشنطن بزيادة النفوذ الروسي في آوروبا و خصوصا بعد زوال حلف وارسو و بالتالي زوال سبب وجود الناتو.
في العام 1995 عقدت صفقة في قطر أدت الى إنقلاب الإبن على أبيه، و جرى ترسيم الحدود مع إيران و بدأ إستخراج الغاز لتلبية الطلب الآوروبي، فكان البدء بتسييل الغاز القطري كونه لا يمكن مدد أنابيب من قطر الى آوروبا. وفيما البحرين وسلطنة عمان تشتريان غازا بعيدا خصص الغاز القطري للسوق الآوروبية لمنافسة الغاز الروسي، و جاء هذا بعد أن قامت واشنطن بإشعال الشيشان و يوغسلافيا بوساطة الأفغان العرب.
في العام 1996 كان بوتين قد بدأ الامساك بزمام الإمور جراء الوضع في الشيشان و تأسست شركة غازبروم التي ستصبح هي الحاكم الفعلي لروسيا على غرار الشركات الأمريكية التي تحكم الولايات المتحدة.
مشروع الشرق الأوسط الجديد: واشنطن تدرك خريطة الغاز في المنطقة و هي في تركمانستان و أذربيجان و إيران ومصر، و الغاز الذي كانت تعلم بوجوده واشنطن فقط يقع في ساحل البحر الأبيض المتوسط ما بين فلسطين و لبنان وقبرص. أدركت واشنطن إن السيطرة على هذه المنابع تعني بقاء واشنطن قطبا أوحدا يدير العالم، فهي قادرة على منافسة الغاز الروسي، و كون الوصول إلى غاز أذربيجان و تركمانستان صعب كونهم في منطقة نفوذ روسي فإن الوصول لهم سهل في حال سيطرت واشنطن على غاز المتوسط و زودت آوروبا بالغاز و أصبحت موسكو عاجزة عن شراء الغاز من آسيا الوسطى، التي سترغم على الدخول في النفق الأمريكي. و لكن الحصول على الغاز في المتوسط يحتاج الى سلام في المنطقة، و السلام في المنطقة وفق الشرعية الدولية سيكون بداية نهاية إسرائيل. هنا قررت واشنطن تقسيم الشرق الأوسط الى دول طائفية تديرها إسرائيل، بحيث تتمكن من تصفية القضية الفلسطينية، و لكن قبل طرح مشروع الشرق الأوسط الجديد كانت هناك طريقة أسهل في نظر واشنطن وهي القضاء على المقاومة في لبنان فيمكن الوصول الى الغاز دون حل القضية الفلسطينية، التي أصبحت عائقا أمام مستقبل واشنطن. فكيف بدأت واشنطن بالعمل للسيطرة على هذه المنطقة، علماً بأن الحل في وجهة نظر واشنطن هو إما تصفية القضية الفلسطينية أو القضاء على المقاومة في لبنان.
جاءت الحرب على لبنان في العام 1996 تحت إسم عناقيد الغضب للقضاء على حزب الله و المقاومة، لفرض سلام مع لبنان يؤمن إمدادات الغاز، و لكن فشل العدوان بل وأصبحت المقاومة مشروعة و ألزمت إسرائيل لأول مرة بتاريخها الإلتزام بتفاهم نيسان. ثم جاء العام 2000 و هو عام النكسة الأمريكية، حيث تحرر الجنوب اللبناني و بنفس العام وصل بوتين خصم الغرب الى السلطة في روسيا، على إثر وفاة يلتسن.

البدء بتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد:- أدركت واشنطن أن الغاز القطري أصبح عاجزا عن المنافسة في السوق الآوروبية و أن النفوذ الروسي يزيد في آوروبا مع إزدياد الطلب، و ليس ذلك فحسب بل بدأت موسكو تستعيد عافيتها بالإنتعاش الإقتصادي، فقررت واشنطن التحرك و كان الهجوم بالطائرات على مبنى التجارة العالمي في أمريكا هو مقدمة الهجوم الأمريكي كرد على هزيمة إسرائيل في لبنان ووصول بوتين الى السلطة وبدأ التقارب الصيني الروسي بعد توتر دام عقودا أبان الحرب الباردة و سقوط بعض معاقل واشنطن في أمريكيا الجنوبية. و كانت البداية من إحتلال أفغانستان، و طبعا الهدف هو قطع طرق الترانزيت عن الصين و محاصرتها و محاصرة روسيا من جهة ثانية و محاصرة إيران.
في العام 2002، عقدت واشنطن صفقة مع رجب طيب أردوغان وعبد الله غل اللذين إنقلبا على معلمهم أربكان، و أسسا حزب العدالة و التنمية ليصبح عبد الله غل أول رئيس حكومة إسلامي في تركيا، و كما كان الإنقلاب في قطر سببه الغاز كان الإنقلاب في تركيا سببه الغاز. فمع ظهور حزب العدالة و التنمية أعلنت واشنطن عن خط غاز نابوكو، (و عند الأمريكيين حتى الإسم له معنى , فنابوكو إسم عمل موسيقي لفيردي يتكلم عن ما سمي سبي نبوخذ نصر لليهود في العراق) و بعدها بعام تم إحتلال العراق فعلاً.

لماذا نابوكو؟ طبعا تدرك واشنطن أن الغاز في آسيا الوسطى محال أن يصلها، و في إيران الحرب شبه مستحيلة، و لكن روسيا لم تكن تدرك أن البحر المتوسط يحوي الغاز الذي تريده واشنطن. فحين أعلنت واشنطن عن خط نابوكو كانت موسكو تعتقد أن هذا الخط ولد ميتا، و لكن واشنطن كانت تخطط أولاً للحصول على الغاز من مصر وساحل المتوسط فلسطين ولبنان وقبرص، و مع تقسيم و تدمير سوريا ستحصل حكما بلا حرب على الغاز الإيراني، و بالتالي حكما لن تستطيع بعدها موسكو شراء الغاز الأذري، فبذلك تفقد موسكو نفوذها في المتوسط و آوروبا و وسط آسيا دفعة واحدة، و تكون واشنطن سيطرت على العالم للأبد.

نابوكو حلم أردوغان:- نابوكو يجمع غاز المنطقة في تركيا، ليصدر الى آوروبا دون المرور في اليونان، فتتحول تركيا الى دولة ثرية بالترانزيت الذي يفترض أن يبدأ بـ 31 مليار متر مكعب و يصل الى 40مليار متر مكعب، و لهذا فإن أردوغان الذي يدرك أن الوصول في البداية الى غاز وسط آسيا مستحيل أشرف بنفسه على زيارة القاهرة لدعوتها للتوقيع على اتفاق نابوكو، و لم يدرك وقتها حسني مبارك أنه يوقع على وثيقة إقالته من السلطة.
 
الصفقة مع أردوغان عبد الله غل و أمريكا:
- يقوم اردوغان وغل بتأسيس حزب إسلامي و تساعده واشنطن على الإمساك بزمام السلطة.
- يقبل هذا الحزب بتقسيم مصر الى ثلاث دول , و العراق الى ثلاث دول و سوريا الى أربع دول.
- تتعهد واشنطن بجعل النفوذ على الدول السنية من الدويلات الجديدة لتركيا, و تقبل تركيا بأن يكون النفوذ على باقي الدول لإسرائيل.
- تتعهد واشنطن بأن لا يمر إنبوب الغاز في اليونان كي تضمن تركيا الحصول على كامل قبرص و الدخول في الإتحاد الآوروبي على حساب اليونان.
- مقابل أن تحول الولايات المتحدة تركيا الى عقدة غاز عالمية يقبل أردوغان أن يكون النفوذ على هذه العقدة لواشنطن.
- تساعد تركيا الولايات المتحدة في أفغانستان خصوصا والعراق

الدول التي كانت واشنطن بصدد إنشائها:-
مصر:- دولة قبطية و دولة سنية متشددة و دولة للنوبيين, و دليل ذلك أعقب الثورة عنف طائفي مدروس حيث كانت تظن واشنطن أن سقوط سوريا لن يستغرق أكثر من شهر, و لأول مرة بعد الثورة الإعلام يتناول النوبيين في مصر, و سر الفراغ السياسي في مصر هو إنتظار تطور الأحداث في سوريا, و ما تفجير خطوط الغاز في سيناء الا رسائل على أن المشروع حتى لو نجح لن يصل الغاز الى آوروبا, و ما توقف العنف الطائفي في مصر الا لأن سوريا لم تسقط.
سوريا:- المفروض تقسيمها الى أربع دول و سبب بداية الأحداث من درعا ان المشروع كان يقضي بترحيل كل أهالي درعا من الجنوب السوري بشكل نهائي, و من يتابع تسلسل بداية الأحداث يمكنه وضع تصور عن التقسيمات التي كانت تخطط لها واشنطن.
و طبعا التقسيم سيشمل باكستان و الخليج والعراق وحتى تركيا,نفسها و يعتقد أن أردوغان وافق على تقسيم تركيا حيث إن دولة صغيرة غنية و لها نفوذ، أفضل من دولة كبيرة بلا نفوذ.
الولايات المتحدة تشن هجومها الثاني:- رغم وصول أردوغان الى السلطة, و لكن كان على الولايات المتحدة إقناع حلفائها في الدخول في خط الغاز, فكان الجزء الثاني من الهجوم بدأ بالثورة البرتقالية في أوكرانيا حيث إمدادات الغاز الروسي , وبدء التحرش بروسيا البيضاء, كذلك حيث إمدادات الغاز الروسي , و ثم تم إغتيال رفيق الحريري لبدء الضغط على دمشق, فكانت الحرب على لبنان و لكن عوضا عن تهجير أهالي الجنوب بشكل عام و الشيعه بشكل خاص الى العراق خسرت إسرائيل الحرب خسارة زلزت واشنطن نفسها, و كسرت هيبتها.
لجأت واشنطن الى حلفائها الجدد في أوكرانيا للضغط على الغاز الروسي لكي تضمن الولايات المتحدة الدعم الآوروبي لمشروعها القادم, حيث لازال بجعبتها خطط بديلة, و فعلا قطعت موسكو الغاز عن آوروبا إسبوعين , واشنطن أرسلت رسالة بضرورة عدم الإعتماد على الغاز الروسي, وروسيا أرسلت رسالة بأن دول عبور الغاز هامة و بالتالي حتى لو جاء الغاز من مكان ثان فإن ضربه سهل, و نتج من هذه الحرب خروج البرتقاليين من السلطة برضى آوروبا.
الغضب الروسي:- سارعت موسكو بالرد, و كان رد موسكو عنيفا, بعد الإعلان عن خط نابوكو, حيث أعلنت غاز بروم بأنها ستسثمر في مشاريع غاز من أمريكيا اللاتينية و إفريقيا و آسيا و حتى واشنطن ستجد نفسها تشتري الغاز من روسيا, وأعلنت روسيا عن أربع خطوط غاز و بدأت فعليا بالعمل وهي:
1- السيل الشمالي يوصل الغاز من شمال روسيا الى ألمانيا عبر البحر دون المرور ببر بيلاروسيا و بدأ تنفيذ هذا المشروع فعلياً و بالتالي خف الضغط الأمريكي على روسيا البيضاء لان اسقاط بيلاروس لن يفيد بعد الآن بوقف إمداد الغاز.
2- السيل الجنوبي عبر البحر الأسود الى بلغاريا و منها يتوزع خط عبر رومانيا هنغاريا النمسا, و جنوبا عبر اليونان إيطاليا, و قد تم إنجاز معظم الإتفاقيات لمد هذا الخط.
3- السيل الأزرق عبر تركيا فسوريا الأردن لمد الأردن و إسرائيل بالغاز, هذا يثبت أن موسكو لم تكن تعلم بوجود الغاز في المتوسط و قد تم إلغاء هذا الخط فعلياً, بعد أن علمت بإحتياطات الغاز في المتوسط.
4- مد خط من نيجيريا الى النيجر فالجزائر لتسييل الغاز نقله الى آوروبا و لاحقا مد إنبوب الى آوروبا.
5- قامت أيضا غاز بروم بالإستحواذ على نصف حصة شركة ايني الإيطالية في ليبيا, و بدأ بالإستثمار في السودان و زار بوتين مصر على أمل الإستثمار في مصر. و رداً على الخطوات الروسية سيبدأ الربيع العربي , تمهيدا لتقسيم المنطقة وعزل روسيا والصين عن المتوسط, و الإستحواذ على غاز مصر والمتوسط , و ثم قطع الطريق في شمال آسيا على اية مشاريع روسية, من خلال إسقاط شمال إفريقيا, و هذا ما سنتكلم عنه في الجزء الثاني.

[2]  الربيع العربي

رداً على التصعيد الروسي بدأت واشنطن بالتصعيد , و يمكن القول أن وثائق ويكي ليكس كانت مقدمة لبدء الهجوم الأمريكي الجديد على المنطقة, فهذه الوثائق قد تم تسريبها عن قصد و لسبب, فما تسريبات ويكيليكس الا رسالة أمريكية الى من تبتزهم بالشرق الأوسط مفادها أن من لا يسير معنا ستسرب وثائقه, و من جهة ثانية بين كل الف وثيقة بالإمكان تسريب وثيقة كاذبة بقصد زرع البلبلة للحرب النفسية.
طبعا الهجوم على سوريا يحتاج الى الخاصرة اللبنانية التي لم تستطيع إسرائيل إحتلالها, و يحتاج للمال السعودي والإرهابيين السعوديين, رغم ان المشاريع في الشرق الأوسط كلها دون إستثناء على حساب السعودية, فظهور قطر كان على حساب السعودية, و ثم ظهور تركيا كان على حساب السعودية, و بدأ التسريب عن بعض السياسيين اللبنانيين الذين إحترقت أوراقهم أصلاً, و حتى أن البعض كان يعتقد انهم أنهم خونة أكثر مما ذكرت ويكيليكس, و عن قليل مما يحدث في المملكة العربية السعودية .
و لكن من أهم الوثائق كانت التي تتحدث عن الفساد تلك التي عن تونس, لدرجة أن بن علي أيامها حجب موقع جريدة الأخبار عن التونسيين كي لا تصل الفضائح الى التونسيين و السبب هو التحضير للهجوم على ليبيا و لاحقاً الجزائر لقطع الطريق أمام روسيا و بل أمام النفوذ الصيني المتنامي في إفريقيا, و كان يجب التخلص من مبارك كذلك لعدة أسباب منها لزوم تقسيم مصر.
التخلص من مصر كنقطة ضعف مرعبة بأي وقت من الممكن أن تسقط, تسليم الإخوان المسلمين الحكم في كبداية لتقسيم مصر و تنفيذا للصفقة مع أردوغان. و قبل الحديث عن الربيع العربي سنمر على السودان لنفهم تطور الأحداث في اليمن والصومال والسودان لتشكيل صورة كاملة عن الأحداث , فماذا حدث في السودان.
السودان:- الى جانب الغاز زاد الطلب الآوروبي على الوقود الحيوي, الذي بدأ من 1% و ارتفع الى 7% و سيصل الى 10% و بالتالي 10% من الوقود الحيوي ستكون ضمن الوقود في الإتحاد الآوروبي, و بدأ صراع روسي أمريكي على الوقود الحيوي, فقامت وشنطن ودون سابق إنذار بقطع القمح عن مصر أكبر مستورد للقمح في العالم , كي تمنع موسكو من بيع المزيد من الوقود الحيوي في السوق الآوروبية، و كلنا يتذكر أزمة القمح المصرية حين قامت سوريا بمساعدة مصر من مخزونها الإستراتيجي, و السودان الى جانب غناه بالنفط و الغاز مرشح لأن يكون أكبر مصدر للوقود الحيوي في العالم. وضمن صفقة واشنطن مع أمير قطر تم إنشاء شركة كافاك القطرية للاضافات البترولية و بدأت قطر بالإستثمار في السودان لحساب واشنطن, أي أن الولايات المتحدة وضعت قاعدة عسكرية في قطر لبدء إستخراج الغاز و الوقود الحيوي, وكان هناك في السودان صراع خفي أشعل السودان حيث جن جنون واشنطن من العقود بين السودان والصين للتنقيب عن النفط و دخول غاز بروم للسودان لاستثمار الغاز, حتى وصل الأمر الى إستدعاء الرئيس السوداني الى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمته على جرائم واشنطن في السودان, كما حوكم سابقا ميلوسوفيتش على جرائم الناتو والأفغان العرب في يوغسلافيا, و لكن الصين التي غيرت إستراتيجيتها القتالية وأصبح بمقدورها شن ضربات إستباقية للحفاظ على الأمن القومي الصيني, و معها السودان شنا هجوما مضادا من خلال دعم تمرد في تشاد التي تصدر الإرهاب للسودان.
هنا حين وصل ثوار تشاد الى تخوم العاصمة التشادية أوقفت واشنطن مهزلتها وعدوانها في السودان عبر صفقة, وهدأ إقليم دارفور و نسي العالم أن الرئيس السوداني مطلوب للمحكمة الدولية, و لكن أمريكيا التي هزمت جزئيا , بدأت بإستراتيجية جديدة من خلال التضييق على إمدادات الصين من السودان فلم تنجح بضرب السودان فقررت ضرب خط الإمداد, فأصبحت بحاجة الى الصومال, و لكن الموازيين قلبت في وجهها مع ظهور المحاكم الإسلامية, فقامت قطر بالتدخل لحساب واشنطن و إشترت زعيم المحاكم الإسلامية, تحت وقع ضربات القوات الإثيوبية, و بدأ أعمال القرصنة في المضيق, و كانت تدار من دبي و ترسل للقراصنة إحداثيات السفن المستهدفة البعيدة عن القطع العسكرية عبر رصدها بالأقمار الصناعية, و كانت بداية لإشعال المنطقة فإشتعل اليمن، في الشمال الحوثيين و في الجنوب الإنفصاليين, و دخلت قوات روسية و صينية الى المياه لحماية المضيق من القراصنة و قبضوا على الكثير من القراصنة حتى أصبحت القرصنة تثقل كاهل من يديرها.
و كما فجأة ظهرت، اختفت القرصنة فجأة بإشتعال اليمن في ثورات لقوى متصارعه, و لم تنجح واشنطن في شرب إمدادات النفط الصيني من السودان و لازال الصراع قائماً على منطقة أبيي الغنية بالنفط.

[3]  الخطة التركية
عودة لبداية الربيع العربي:- إذا كان أسر حزب الله لجنود إسرائيليين قد قدم موعد الحرب فساعد حزب الله على النصر فإن إحراق أبو عزيزي نفسه سرع المشروع الأمريكي لينقذ سوريا لاحقاً, فتم إسقاط بن علي و لاحقا مبارك و بدء الهجوم على سوريا و ليبيا دفعه واحدة, ففي تونس حدث إنقلاب عسكري تحت غطاء الإحتجاجات الشعبية, و في مصر نفس الأمر, ومن تونس دخل السلاح الى ليبيا و من مصر دخلت قوات شاركت في أحداث ليبيا, و ما المجلس العسكري الا حالة وقتية تنتظر القرار الأمريكي في حال سقوط سوريا, و لكن مع فشل إسقاط سوريا توقف العنف الطائفي في مصر و هذا يعني أن التقسيم مجمد الى آجل غير مسمى, و بعد أن كان مقرراً تسليم السلطة للإخوان المسلمين يجري حالياً تهميشهم كون الإستراتيجية تغيرت مع عدم قدرة واشنطن على إسقاط سوريا.
في الهجوم على سوريا:- في البداية لنطرح السؤال التالي اذا كان عمر هيلاري كلينتون 70 عاما, و كان ساركوزي يهودي من آوروبا الشرقية, فما هو لون الثياب الداخلية لأردوغان؟
طبعا السؤال غريب و الجواب يكون و ما دخل هذا بهذا؟ هنا نقول هكذا بدأت الأحداث في درعا مع فشل الدعوات عبر الإنترنيت كما حدث في مصر فبعد دعوتين لم يخرج اي متظاهر في سوريا بدأ تشغيل التظاهر قسراً. فتم الحديث عن إعتقال مجموعه أطفال , و لكن المظاهرات خرجت في 18 آذار ضد رجل أعمال سوريا, و ضد مشغل خليوي سوري و ليس مثلا ضد المشغل الثالث الذي كان من الممكن أن يكون سعودي أو قطري, و خرجت مظاهرات ضد إيران و ضد المقاومة اللبنانية, فأين هي المطالب الشعبية و أين هي الإحتجاجات…؟
قد يكون من دفع للاطفال للكتابة على الجدران ومن بلغ عنهم ومن إعتقلهم يديرهم شخص واحد, فلم تتحدث السلطات السورية عن هذه القصة و لكن هذه القصة التي كان من المفترض أن تكون سبب الإحتجاجات, لم يتم التطرق لها في أي إحتجاجات, و حسب الأفلام التي رفعها المتظاهرون من درعا كان هناك مشفى ميداني في اليوم الأول للأحداث في الجامع العمري, حين يطلب إسعاف شخص الى الجامع, و من اليوم الأول كان هناك شخص واحد يرفع الأفلام على الأنترنيت و ليس تصوير أفلام من قبل محتجين و رفعها؟
من اليوم الأول بدأت أعمال تمثيل لأفلام. في اليوم الأول للأحداث سقط مدني و ما يزيد عن 25 رجل أمن سقطوا شهداء ولكن في الإعلام كان يتم الكلام عن مئات القتلى, و بدأ تطور الأحداث في سوريا, في درعا كان يخطط لتهجير كل أهالي درعا الى غير رجعه لانها كانت تقف في وجه دولة طائفية تعتزم واشنطن إنشائها, و لهذا كان من المفترض أن يكون هناك حرب شوارع تستنزف الجيش و تهجر الأهالي و على حدود محافظة مجاورة كان من المفترض أن يشب نزاع طائفي معه تفقد الدولة السيطرة على الجنوب تماماً.
و في الساحل يتم إثارة طائفه للهجوم على طائفة ثانية,و حين تثور هذه الطائفة يقطع السلاح عن الطائفة الأولى لتهجيرها ويقوم مسلحون بأعمال تفجيرات تستهدف طائفة ثالثة, فيكون هناك دولة أمر واقع, و في حمص نفس الأمر تقوم العصابات بترحيل طائفيتين من المدينة و بذلك تصبح العاصمة محاصرة و هي مشغولة بأحداث في دوما و ريف دمشق و تصبح مقطوعه عن باقي سوريا فتسقط الدولة المركزية, و لكن ما الذي حدث؟
في درعا:- ذهب وفد الى الرئيس السوري ضمنه بعض قادة العصابات المسلحة, بغض النظر عن المطالب الخدمية و لكن يبقى الطلب الأهم هو خروج قوات الأمن من درعا, بحجة حل المشكلة مع المتظاهرين الذين لا يزيد عددهم على خمسة آلاف من اصل ميلون و ربع المليون مواطن, وفعلا تم سحب كل قوات الأمن, فأعتقد زعماء العصابات أنهم غدروا بالرئيس وأنه وقع بفخهم فقاموا باحتلال درعا عبر العصابات المسلحة, و مثل هذا الأمر يحتاج تدخل الجيش و لكن الجيش لم يتدخل, فظنت واشنطن أن النظام ضعيف خصوصا بعد أن النظام أعلن عن إصلاحات أصلاً لم يطالب بها المتظاهرون, بل رفع قسم منها هيئة وحدة الشيوعيين(قدري جميل) الذين لا يزيد عددهم في درعا عن عشرة أشخاص, فالإصلاح في سوريا كان رداً على الأحداث و ليس مطلبا للمتظاهرين.
و لان الجيش لم يدخل درعا طلب الأمريكي من العصابات المسلحة إستدعاء الجيش قسراً, فقامت العصابات بقتل خمسة جنود سوريين بالقرب من بلدة نوى, و فعلا دخل الجيش، و لكن حسب الصحافة الإسرائيلية يجب على الجيش الإسرائيلي إعادة حساباته بقدرات الجيش السوري, فتفاجأ الجميع بقدرة الجيش, حيث حسم المعركة بخسائر لا تذكر.
في بانياس:- حسب موقع استخباراتي صهيوني عن رجل مخابرات أمريكية أن الجيش العربي السوري نفذ عملية أرعبت العالم في دقتها من خلال إبعاد سفينة ألمانية كانت تدير العصابات في بانياس, و بناء جدار إلكتروني سيطرت عبره أجهزة الأمن على الإتصالات ثم دفعت بالعصابات الى كمائن قبض فيها على كل المجرمين و قادتهم, و خصوصاً منهم الجنسيات العربية.
في تل كلخ:- نفذ الجيش العربي السوري عملية جراحية قبض خلالها على عشرات المسحلين, و بدأ بتضييق الخناق على مهربي السلاح و الإرهابيين.
في حمص:- كانت العملية الأمنية الأكبر حيث كان الناس في حي السباع مشغولين بالمظاهرات بينما المخابرات السورية تفكك أكبر شبكة إتصالات أمريكية معلنة بذلك سقوط العدوان على سوريا, و يقال انه بعد تفكيك هذه الشبكة أمر الحريري بتشغيل مشغل خلوي ثالث في لبنان تويض عن هذا الإخفاق,لإدارة العمليات العسكرية في الداخل السوري.
قبل أن نذكر نتائج هذه المرحلة من العدوان على سوريا, لنتذكر أنه خلال كل هذه الأحداث لم يتحرك اي من الإخوان المسلمين نهائيا لا في حماه و لا في جسر الشغور.
الأمريكي يطلب الدعم:-أدرك الأمريكي أن معركة الناتو في سوريا فشلت فشلاً ذريعا, فكان عليه الإنتقال الى خطط بديلة ولهذا عليه أن يستدعي حلفائه و بالذات تركيا و قطر و إسرائيل, فكان التالي بعد تفكيك شبكة الإتصال الأمريكية:-
1- هيلاري كلنتون تقول إن الاسد قدم ما لم يقدمه رئيس آخر, و طبعا كون آخر هم كلنتون الشعب السوري هذا الكلام يعني أننا فشلنا اذا لم تتحركوا سنفتح اتصالات مع القيادة السورية….
2- أوباما يطلب من إسرائيل العودة الى حدود العام 1967 كنوع من الضغط عليها.
3- عبد الحليم خدام يظهر علانية على التلفزيون الصهيوني و يطلب تدخل عسكري تركي.
4- يتم الإعلان عن تأجيل خط نابوكو الى العام 2017 بعد أن كان مقرراً في العام 2014.
5- أردوغان يشعر بالقلق على مستقبل خط الغاز و يبدأ بالتصعيد تجاه سوريا.
6- الأسد يصدر عفوا عاما عن محكومين من الإخوان المسلمين. فشل الأمريكي و الناتو في سوريا و إستدعى حلفائه , في الجزء الثالث ماذا فعل التركي و القطري و الإسرائيلي.


[4]  ماذا تحضر واشنطن؟
تبدأ الخطة البديلة فتخرج لأول مرة مظاهرات في حماه و جسر الشغور, و طبعا المتظاهرين هم الإخوان المسلمون,فكانت الخطة التركية أن يقوم مسلحون بإحتلال جسر الشغور كون عدد رجال الأمن فيها لا يزيد عن 80, فيضطر الجيش للتدخل , يغرق في حرب شوارع و عبوات ناسفة و يهاجر الأهالي الى تركيا فيتدخل الجيش التركي.
و بعد أن طلب عبد الحليم خدام علنا على التلفزيون الإسرائيلي تدخل القوات التركية أعلن أردوغان علنا أن كل الخيارات متاحة تجاه سوريا بما فيها الحل العسكري, و طبعا تهديد إيران لتركيا بقصف القواعد العسكرية الأمريكية ليس الا رسالة للأمريكيين, و لكن اردوغان كان مصمما على الخوض في المغامرة, لان مستقبله كاملا متعلق بالغاز.
جسر الشغور:- بدأ التنفيذ و قام 400مسلح بالبدء بشن هجوم على مراكز الأمن و الشرطة، وحين جائت تعزيزيات نصب لهم كمين و قتل كل من فيها و حاولت مروحية التدخل فاصيبت, و نجحت العصابات بإحتلال جسر الشغور, فبنى أردوغان مخيمات بإنتظار دخول الجيش, بعد أن إستشهد 120 رجل شرطة وأمن, بدأت الجزيرة و لمدة أكثر من إسبوع تكرر خبرا مفاده نزوح العشرات من جسر الشغور تخوفا من دخول الجيش, و  الجيش سيدخل بسبب مقتل 120 شرطيا يقول ناشطون أن الجيش قتلهم حسب الجزيرة, و لكن لم يدخل الجيش بل إنتظر كثيراً. في كل يوم كان  المسلحون يشعرون أن الجيش سيدخل , فأعلنت سوريا أن الجيش سيدخل و لكن لم يتحرك الجيش وظهرت بعدها مظاهرات تطالب بتدخل الجيش في جسر الشغور, و إستمر الأمر أكثر من أربعة أيام حتى تمركزت قوات من الجيش على مدخل المدينة و لم تدخل.
و بعد عدة أيام أعلن التلفزيون السوري بشكل مفاجيء أن الجيش سيطر على المشفى الوطني في جسر الشغور, و تركيا تدرك أن المشفى الوطني هو مقر القيادة و السيطرة و بالتالي تم القبض على كل قيادات المسلحين, و مع ذلك طلب أردوغان من الجيش التركي دخول سوريا, و لكن الجيش التركي تفاجأ بوجود قوات سورية على الحدود ظهرت فجأة و لم يعد بمقدرة الجيش التركي الوصول الى جسر الشغور الا بأمر حرب على سوريا, و لم يتجرأ أردوغان على التوقيع على قرار حرب, فسوريا كانت تدرك اللعبة وقامت قبل أن تدخل الى المدينة بنشر قوات بشكل سري على الحدود و مع بدأ تنفيذ عملية تطهير جسر الشغور ظهرت القوات السورية للعلن. و عوضا عن دخول القوات التركية مع كاميرا الجزيرة دخلت القوات السورية مع 25 وسيلة إعلامية عالمية, و أمامهم بدأت بتنظيف المدينة من الكمائن و العبوات الناسفة, و إستخراج جثث الجنود السوريين من المقابر الجماعية.
حماه و اللاذقية:- كانت الخطة البديلة عند الأتراك هي مفاوضة سوريا على رأس حزب الله أو تصفية القضية الفلسطينية مقابل الهدوء. و تم إشعال حماه التي كانت تشهد أصلا إضرابا  تحول بالقوة الى إحتلال عسكري و تم قتل معظم رجال الأمن في المدينة, و تم إشعال منطقة الرمل في اللاذقية, على أمل أن يصل داوود أوغلوا ليفاوض سوريا بهم, و لكن سوريا طلبت تأجيل الزيارة ثلاث أيام, و حين وصل لم يكن بيده اي ورقة فقد دخل الجيش الى حماه قبض على العصابات المسحلة و خرج، وفي اللاذقية حسمت المعركة.
دخول القطري على الخط:- بعد الفشل الثاني لأردوغان تدخل القطري بينما كان أردوغان يطلق تصريحات نارية تعبر عن الهسيتريا التي أصابته, و بطلب قطر تم تأسيس مجلس إنتقالي سوري, ترأسه برهان غليون دون أن يعلم , و قبض لاحقاً عشرين مليون يورو لقبول المنصب, وسمي الهرموش زعيماً للجيش السوري الحر الذي كان من واجبه إحتلال و لو 100 متر على الحدود لكي تقوم قطر و تركيا بالإعتراف بالمجلس الإنتقالي السوري كممثل شرعي لسوريا. في هذه الأثناء كان من المفترض أن ينقل نبيل العربي رسالة الى دمشق و لكن دمشق كذلك طلبت تأجيل الزيارة أربعة أيام، وفعلا تم ذلك, فقام الأمير القطري بإطلاق تصريحه الشهير بإن الإحتجاجات في سوريا لن تتوقف حتى تتم تلبية شروط المتظاهرين, اي الشروط الأمريكية. و كان من المفترض عند وصول نبيل العربي و بعد تصريحات الأمير أن تكون هناك منطقة عازلة شمال سوريا, و لكن عوضا عن تحرك المجموعات المسلحة ظهر الهرموش على التلفزيون السوري. و من نتائج هذه المرحلة:-
1- إقالة وضاح خنفر من قناة الجزيرة.
2- عودة البرامج الحوارية ليدخل فيصل القاسم على خط الحرب ضد سوريا.
3- أردوغان يصاب بهستيريا التصريحات النارية و يطلب فرض السلام بالقوة على إسرائيل, معلنا فشله في إسقاط سوريا, و فقدان الأمل من خط نابوكو.
4- بوادر التخلي عن الإخوان المسلمين, حيث يظهر في مصر  رئيس المجلس العسكري بلباس مدني و كأنه سيصبح مرشحا رئاسيا, و من جهة ثانية يترشح أحمد شفيق للإنتخابات.
5- في مصر يتم تحديد موعد للإنتخابات النيابية.
6- التلميح بإستهداف الجزائر كونها عقدة في وجه أمريكا.
7- نجاح سوريا في حل مشاكلها الداخلية دون إستعمال أي من أوراق الضغط و لهذا شهدت سوريا هدوءا في آخر إسبوعين, بل هدوءا غير مسبوق.
8- ظهور تسريبات عن حرب إستخباراتية يقصد بها سياسة الإغتيالات , و فعلا حدثت عدة حوادث في سوريا.
9- ظهور جاسوس صهيوني على التلفزيون السوري بشكل مفاجيء يعتقد أنه بداية الرد السوري ليؤسس لمرحلة الإنتقال من الدفاع الى الهجوم. فماذا تحمل الأيام القادمة لسورية؟ هو ما سيظهر, و لكن أصبح من المؤكد أن واشنطن و حلفائها هزموا شر هزيمة في سوريا,لدرجة أن الإتحاد الآوروبي الذي يتشدق بحرية الإعلام يفرض عقوبات على قناة الدنيا.

معادلة إما سقوط سوريا أو سقوط الولايات المتحدة:- لفهم نتائج ما يحدث على الأرض و خطره على مستقبل واشنطن تحدثت سابقا عن تزايد النفوذ الروسي في آوروبا و إفريقيا مع تصاعد الدول الناشئة كالبرازيل وجنوب إفريقيا والهند والصين، وتأثيرهم على مصالح واشنطن وعلى وحدة حلف الناتو, ولكن هناك مخاطر أخرى أكثر كارثية على واشنطن في حال لم تستطع وضع اليد على مصادر الغاز.
منذ العام 1976 سحبت الولايات المتحدة ذهبها من حماية الدولار و باعته لتنقذ نفسها على حساب العالم, و اصبح العملة الوحيدة في العالم التي لا ترتبط بالذهب، ومن تاريخها اذا صعد الذهب هبط الدولار و اذا هبط الدولار صعد الذهب, وطبعا قامت واشنطن بهذه الخطوة بعد أن كادت تصل الى الإفلاس فسرقت العالم بخطوة إحادية الجانب.
و لكن اليوم هذه الخطوة لا تتكرر, علماً بأن ديون الولايات المتحدة الفيدرالية تعادل 14200 مليار دولار بعد حربيها في العراق و أفغانستان, و ما رفع سقف الدين الأمريكي الا تأجيل للازمة التي قد تدمر الإقتصاد الأمريكي. في السابق كانت واشنطن تسترجع عملتها الخضراء, و مع هذا الإسترجاع كان الدولار يحافظ على قيمته, رغم انه ليس الا ورقة بلا معادل ذهبي, و خصوصا حين كانت تسيطر على معظم منابع النفط و بشكل خاص في الخليج العربي, الذي لا يسعر النفط بالدولار و يربط عملته بالدولار فقط, بل كل الدولارات التي يقبضها يعيدها الى واشنطن لشراء بضائع امريكية, و اسلحة, وكإيداعات. فمثلا دولة عربية واحدة لها إيداعات في الولايات المتحدة بقيمة 3400 مليار دولار, و لكن في السنوات الماضية و بعد أن أصبح الغاز ينافس النفط, و بعد كلفة الحروب التي شنتها واشنطن و لم تحصل على ثمنها, و بعد التقارب الروسي الصيني الذي جعل من الصين قوة ترفض شراء سندات الخزينة الأمريكية و لا تخضع للضغوط الأمريكية برفع قيمة عملتها, فإن مستقبل العملة الخضراء أصبح في خطر, و ما تضاعف سعر الذهب خلال السنوات السابقة الا مؤشر إنهيار العملة الخضراء. و بالتالي الأمل الوحيد لواشنطن هو ضمان بيع الطاقة بالدولار الأمريكي حتى لو لم تسيطر عليه, فجزء من حرب الغاز يتعلق بالنفوذ والجزء الآخر وهو الأخطر على واشنطن يتعلق بالعملة الأمريكية نفسها, و لفهم شدة الخطر على واشنطن في حال فشلت في مد خط نابوكو لنأخذ الإحتمالات:-
اولا أن تسيطر واشنطن على غاز المنطقة والبدء بعزل الغاز الروسي عن آوروبا فإن واشنطن كما أسلفت في الجزء الأول من هذه الدراسة فإن النفوذ الأمريكي سيمتد الى وسط آسيا وبالتالي ستصبح واشنطن كذلك شريكا في نفط و ثروات بحر قزوين.
ثانيا أن تفشل واشنطن في تغذية خط نابوكو و إسقاط الجزائر و بالتالي هناك ست أنابيب غاز ستغذي آوروبا بدون نفوذ الأمريكيين و بالتالي يصبح الإتحاد الآوروبي تحت رحمة روسيا و حلفائها, و عملة بيع هذا الغاز بيد روسيا و بالتالي قد لا تكون الدولار و بل من المؤكد أن البيع سيكون بسلة عملات ليس الدولار المتهاوي ضمنها,  ما يضمن لموسكو نفوذ على ثروات بحر قزوين, و هذا يعني تهاوي النفوذ الأمريكي من إفريقيا الى آسيا الى آوروبا و معه تهاوي العملة الأمريكية. فواشنطن حين شنت عدوانها على سوريا كانت تدرك أن عدم سقوط سوريا قد يعني سقوط الولايات المتحدة الأمريكية, ولهذا من الواضح أنها كانت تملك خططا بديلة فماهي الخطط البديلة؟

1- توجيه ضربة عسكرية لإيران, و لكن مثل هذه الضربة قد تدمر الإقتصاد العالمي كون أكثر من نصف بترول العالم سيكون تحت الرحمة الإيرانية, فقد كانت واشنطن تحاول  إستخراج النفط من خليج المكسيك لعلها تؤمن بديلا للنفط خلال فترة الحرب، لكن مع التسرب النفطي فشلت في إستخراج النفط, و بدأ الوقت يداهمها.
2- إسقاط سوريا فشل تماماً و لم تتمكن من وضع يدها على المنطقة
3- يمكن تلمس الخطط البديلة من خلال دخول القطري على خط إنقاذ اليونان التي كانت كبش الفداء الأمريكي لأردوغان فيما لو نجحت واشنطن بإسقاط سوريا, فمن الواضح أن واشنطن بعد أن خسرت مخططا ضخما جداً ستعود لسياسة العصا و الجزرة, فبعد أن كانت تتآمر مع التركي على اليوناني الآن واشنطن تؤيد اليوناني ضد التركي و قطر تستثمر في اليونان , و اليونان هي البلد المتوقع أن يدخله خط الغاز الإيراني, فهل  ستحرك واشنطن عملية السلام و تعيد محاولة جر الغاز بالطرق السلمية, أو ستقوم بالإنتقال الى تصعيد جديد تجازف فيه بكل ما تملك؟ من المؤكد أن سوريا إنتصرت في هذه المعركة و لكن من المؤكد أن معارك قادمة ستبدأ!